هل لبنان على حافةِ تصعيدٍ إقليميّ مفتوح ..؟
مقالات
هل لبنان على حافةِ تصعيدٍ إقليميّ مفتوح ..؟
عباس المعلم
21 شباط 2026 , 05:32 ص

بقلم ( عباس المعلم )

في القراءة الاستراتيجية الباردة، لا يمكن عزل ما جرى في البقاع وصيدا عن السياق الإقليمي الأشمل الذي يتكاثف منذ أشهر. نحن أمام انتقال مدروس من نمط إدارة الاشتباك إلى نمط إعادة تشكيل قواعده، في لحظة إقليمية تتقدّم فيها فرضية المواجهة الكبرى بين إسرائيل وإيران إلى مرتبة الاحتمال العملي لا النظري، برعاية سياسية وعسكرية مباشرة من الولايات المتحدة. في هذا الإطار، تبدو الساحة اللبنانية مسرحا تمهيديا لإعادة التموضع، لا مجرد ساحة ردود فعل موضعية.

من دون مقدمات تبريرية ولو كانت مصطنعة، شن العدو الإسرائيلي غارات استهدفت مباني مأهولة في منطقة البقاع، وقبلها بساعات طال القصف مخيم عين الحلوة في صيدا. وما يعلنه العدو بعد التنفيذ ليس سوى ملحق دعائي لقرار اتخذ سلفا. فالوقائع الميدانية تشير إلى أن ما حدث شرق لبنان ليس حادثا تكتيكيا، بل مقدمة تصعيد يتجاوز ما اعتبر طوال أكثر من عام سقوفا مضبوطة منذ اتفاق وقف إطلاق النار.

العدوان الإسرائيلي اليوم يندرج ضمن سياق حرب تحشد لها واشنطن وتل أبيب ضد طهران، بعد سلسلة مواقف صادرة عن حكومة بنيامين نتنياهو تحذر حزب الله من الانخراط في تلك الحرب المحتملة. وعليه، يمكن قراءة ما جرى بوصفه بداية حرب وقائية متدرجة ضد الحزب، تدار وفق هندسة تصعيدية تراعي التوقيت والمساحة والحجم، بهدف تحييده أو استنزافه قبل وأثناء وربما بعد أي مواجهة واسعة مع إيران.

في الوقت ذاته، سيعاد إنتاج سردية نزع السلاح ومنع إعادة بناء القدرات، بذريعة الحؤول دون تكرار سيناريو شبيه بالسابع من أكتوبر انطلاقا من الحدود اللبنانية. غير أن هذه السردية ليست إلا غطاء استراتيجيا لمشروع أعمق: كسر قواعد الاشتباك التي مارستها إسرائيل من طرف واحد لأكثر من عام، والانتقال إلى قواعد أوسع وأشد، مع افتراض خطير بأن السيطرة ستبقى أحادية، وأن الرد المقابل إما محدود أو مؤجل أو غير موجود.

لكن العقلية العدوانية الإسرائيلية، حين تختبر بفرص التمدد، لا تضبط بسقف ذاتي. ومن هنا، فإن ما شهدناه في صيدا والبقاع قد لا يبقى ضمن هذا النطاق الجغرافي أو النوعي. الاحتمال قائم لتوسيع رقعة الاستهداف لتطال بيروت والضاحية، بل والانتقال إلى استهدافات نوعية تطال قيادات الحزب، في سيناريو قد يستعيد مشاهد الأيام العشرة من عدوان أيلول 2024، من حيث الكثافة والرمزية والرهان على الصدمة.

وثمة احتمال مواز بأن يكون هذا العدوان رسالة إنذار مبكرة للحزب قبل بدء الحرب على إيران، غايتها تحييده قدر الإمكان، وإرباك بيئته، وإشغاله في دفاع دائم، تمهيدا لتفرغ إسرائيلي كامل لعمليات الهجوم والدفاع في الجبهة الإيرانية، التي تتوقع حكومة نتنياهو أن تكون قاسية ومكلفة، وربما أوسع من مواجهة حزيران الماضي.

السؤال الجوهري لم يعد: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية؟ فالدولة عمليا عاجزة، وربما غير راغبة، في الانخراط أو حتى الاعتراض الفعلي. أقصى ما فعلته هو التسليم الضمني بتحييد نفسها عن أي عدوان يشن على حزب الله، والتعامل معه ككيان منفصل بشريا وجغرافيا، بما يعمق تصدع السيادة بدل ترميمها.

السؤال الحقيقي هو: ماذا سيفعل حزب الله في مواجهة مسار تصعيدي ترسمه إسرائيل من طرف واحد، بلا حدود معلنة ولا خطوط حمراء واضحة؟ هل يقع الحزب مجددا في سوء تقدير لحجم العدوانية الإسرائيلية واستعدادها للمخاطرة؟ أم يمتلك القدرة، في ظل الظروف والإمكانات الحالية، على إنتاج ردع يعيد ضبط المعادلة ويمنع الانزلاق إلى حرب شاملة؟

إن سياسة الصبر الاستراتيجي التي انتهجها الحزب طوال المرحلة الماضية تواجه اليوم اختبارا بالغ الحساسية. فإذا ترسخ في العقل الإسرائيلي أن هذا الصبر هو عجز أو ضعف، فإن ذلك سيتحول إلى محفز لتوسيع العدوان لا لكبحه. أما إذا ترافق الصبر مع إشارات قوة مدروسة تعيد تثبيت توازن الردع، فقد يعاد فرض سقف جديد للاشتباك، وإن كان أكثر هشاشة من سابقه.

استراتيجيا، نحن أمام مفترق بالغ الخطورة: إما أن ينجح أحد الطرفين في فرض قواعد جديدة تكرس أحادية الردع، وإما أن ينزلق المشهد إلى تصعيد تراكمي يتدحرج خارج الحسابات الأولية. وفي بيئة إقليمية مشحونة، يكفي خطأ تقدير واحد، أو قراءة مغلوطة لنية الخصم، ليفتح الباب أمام مواجهة أوسع مما يريده الجميع، ولكن قد لا يستطيع أحد بعد ذلك إيقافها..

عباس المعلم - كاتب سياسي