هل يمكن للعالم أن يتعلم السلام؟
مقالات
هل يمكن للعالم أن يتعلم السلام؟
وائل المولى
13 آذار 2026 , 12:21 م

في كل مرة تشتعل فيها حرب جديدة في العالم، يعود السؤال ذاته ليتردد في أذهان البشر: لماذا لا يستطيع العالم أن يعيش بسلام؟ لماذا يبدو العنف وكأنه قدرٌ ملازم للبشرية، بينما يبقى السلام مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من الصراعات؟

الحروب ليست ظاهرة جديدة. فمنذ فجر التاريخ، تعاقبت الإمبراطوريات والدول على خوض الصراعات من أجل النفوذ أو الموارد أو الهيمنة. ومع كل حرب، كان الإنسان يعتقد أنه ربما تعلم الدرس، وأن المأساة لن تتكرر. لكن الواقع يثبت في كل مرة أن البشرية ما زالت عاجزة عن كسر هذه الدائرة.

ومع ذلك، شهد العالم تجربة فريدة قبل سنوات قليلة، عندما اجتاح وباء كورونا الكوكب. فجأة، توقف كل شيء تقريبًا. هدأت حركة الطائرات، خفت ضجيج المدن، وانشغل البشر في مواجهة خطر مشترك لا يفرق بين دولة وأخرى، ولا بين شعب وآخر.

في تلك اللحظة القصيرة من تاريخ العالم، بدا وكأن البشرية اكتشفت فجأة حقيقة بسيطة: أن الخطر الأكبر ليس في جيراننا أو خصومنا، بل في التحديات التي تواجه الإنسان كإنسان.

تراجعت أصوات المدافع مؤقتا، وانشغلت الحكومات بإنقاذ شعوبها بدل التفكير في الصراعات. حتى الطبيعة نفسها بدت وكأنها استعادت أنفاسها. السماء فوق المدن الكبرى أصبحت أكثر صفاءً، والمياه في كثير من الأنهار استعادت نقاءها، والحيوانات ظهرت في أماكن كانت قد هجرتها منذ سنوات طويلة.

كان ذلك مشهدا نادرا، كأنه يطرح سؤالا عميقا على البشرية: إذا كان العالم قادرا على التوقف فجأة عن جنونه عندما يواجه خطرا مشتركا، فلماذا لا يستطيع أن يفعل الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بالحروب؟

المشكلة ليست في استحالة السلام، بل في غياب الإرادة له. فالحروب اليوم لم تعد فقط نتيجة خلافات سياسية أو حدودية، بل أصبحت جزءا من منظومات اقتصادية كاملة. هناك صناعات ضخمة تعيش على استمرار الصراعات، وشبكات مصالح ترى في الاستقرار تهديدا لمكاسبها.

لكن التاريخ يعلّمنا أيضا أن الحروب، مهما طالت، لا تدوم إلى الأبد. فكل صراع يصل في النهاية إلى لحظة يدرك فيها المتحاربون أن كلفة الدمار أكبر بكثير من أي مكسب محتمل. عندها فقط يبدأ البحث عن السلام.

المفارقة أن السلام ليس فكرة معقدة. إنه ببساطة قرار. قرار تتخذه الدول حين تدرك أن التعاون أكثر فائدة من الصراع، وأن الاستثمار في الحياة أكثر جدوى من الاستثمار في الموت.

ربما يبدو هذا الكلام مثاليا في عالم مليء بالأزمات والنزاعات. لكن تجربة كورونا أثبتت شيئًا مهما: أن البشرية، عندما تواجه خطرا حقيقيا، قادرة على أن تعيد ترتيب أولوياتها بسرعة مذهلة.

لذلك يبقى السؤال مفتوحا أمام العالم كله: إذا كان البشر قد تمكنوا من توحيد جهودهم مؤقتا لمواجهة وباء، فلماذا لا يستطيعون أن يفعلوا الشيء نفسه لمواجهة وباء آخر لا يقل خطورة… اسمه الحرب؟

ربما لن يأتي السلام الكامل قريبا، لكن الأمل الحقيقي يكمن في إدراك بسيط: أن البشرية تملك دائمًا خيارا آخر. خيار أن تتعلم من لحظاتها النادرة من الحكمة، وأن تدرك أن الأرض التي نتقاتل عليها ليست سوى بيت واحد يتسع للجميع.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي متى ستنتهي الحروب، بل متى سيقرر الإنسان أخيرا أن السلام يستحق المحاولة.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري