إنذار الانفجار الاجتماعي في قلب مشروع التفكيك للبنان، قراءة في لقاء ميخائيل عوض بعنوان
أخبار وتقارير
إنذار الانفجار الاجتماعي في قلب مشروع التفكيك للبنان، قراءة في لقاء ميخائيل عوض بعنوان " شباط شهر الخطر والتوترات" على قناة ميخائيل عوض
29 كانون الثاني 2026 , 19:05 م


تاريخ اللقاء: 28.01.2026

*مقدمة: لبنان الإنذار الأخير*

تأتي هذه الحلقة في لحظة إقليمية شديدة السيولة، إلا أن جوهرها الحقيقي – كما يتضح من مسار التحليل للكاتب والباحث ميخائيل عوض – يتمركز حول لبنان بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر تعرضًا للانفجار في معادلة التفكيك الإقليمي. فإيران والعراق يحضران كمسارين ضاغطين ومؤثرين، لكن لبنان هو ساحة الانهيار المكتمل، حيث تتقاطع الأزمة الاجتماعية مع الانسداد السياسي وغياب الدولة، ما يجعل أي اهتزاز إضافي قابلاً للتحول إلى انفجار واسع وغير قابل للاحتواء.

من هنا، تُعاد هيكلة هذه القراءة بوضع لبنان في صدارة التحليل، باعتباره محور الإنذار الأساسي في الحلقة، قبل الانتقال إلى الإطار الإقليمي الأوسع.

*أولاً: لبنان – من الانهيار البنيوي إلى الانفجار الاجتماعي المحتوم*

1. *_لبنان دخل طور الانهيار لا الأزمة_*

ينطلق ميخائيل عوض من فرضية حاسمة ما يعيشه لبنان لم يعد أزمة قابلة للإدارة أو الاحتواء، بل انهيار بنيوي شامل. حيث الدولة فقدت وظائفها الأساسية في كل القطاعات من

العجز عن حماية العملة، إلى العجز عن ضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، إضتفة إلى العجز عن حماية موظفيها وعسكرييها والمتقاعدين.

هذا التحول من «أزمة» إلى «انهيار» يعني أن المجتمع بات مكشوفًا بالكامل أمام الصدمات، وأن أي عامل إضافي مهما كان ثانوي أو غير مجدول على سلم المخاطر سواء كان اقتصادي، أمني، أو سياسي – قد يتحول إلى شرارة تفجير.

2. *لماذا شباط؟ القراءة السوسيولوجية للغليان*

ينبّه عوض إلى مقاربة سوسيولوجية لافتة تستند إلى علم الاجتماع السياسي، حيث يشير إلى أن شهري شباط وتشرين تاريخيًا يشكلان ذروة الغليان الاجتماعي في كثير من المجتمعات. في الحالة اللبنانية تتضاعف الأسباب. خاصة أن شباط يأتي حاملا" استنزاف القدرة المعيشية بعد أعباء نهاية العام، والانتقال القاسي بين الفصول، إضافة إلى فقدان الأمل بأي تحسن قريب وغياب بوادر أي دور للحكومة.

لذلك، لا يُطرح شباط مؤشر زمني، كمحصلة تراكم ضغوط نفسية–اقتصادية–اجتماعية.

3. *مؤشرات ميدانية على حافة الانفجار*

يسرد التحليل وقائع لا يمكن تجاهلها:

- إضرابات موظفي القطاع العام.

- تحركات العسكريين المتقاعدين والمحرومين من حقوقهم.

- انهيار صورة المؤسسة العسكرية كضامن اجتماعي

- .وقائع حياة مؤلمة لضباط خدموا لعقود ويعجزون عن إعالة أسرهم.

- إقفال واسع للمحال التجاري

- وتصفية ما تبقى من الطبقة الوسطى.

هذه المؤشرات، وفق عوض، تعني أن الأعمدة التي تقوم عليها الدولة (الموظفون والعسكر) باتت نفسها في موقع الانفجار.

4. *خطر الفوضى المتوحشة لا التغيير المنظم*

يؤكد عوض أن الانفجار الاجتماعي، إذا لم يُحتوَ ضمن أفق سياسي وطني واضح، لا يقود تلقائيًا إلى التغيير، بل إلى ما يسميه «الفوضى المتوحشة». هنا يستحضر مقولة لينين الشهيرة: «ليس كل ظرف ثوري يُنتج ثورة». ففي ظل غياب القيادة والتنظيم والبرنامج، تتحول الطاقة الاجتماعية الغاضبة إلى قوة هدم ذاتي.

في الحالة اللبنانية وفق تحليل عوض، تتخذ هذه الفوضى أشكالًا ملموسة: انتشار السلاح الفردي، تصاعد الجريمة المنظمة، تفكك الردع الاجتماعي، وازدياد قطع الطرقات والاقتصاديات غير الشرعية. الخطر هنا لا يكمن فقط في سقوط المنظومة، بل في سقوط المجتمع معها، وانزلاق البلاد إلى نموذج شبيه بتجارب السودان أو مراحل من الحرب الأهلية السورية، حيث يغيب المركز ولا يولد بديل.

*ثانيًا: الكتلة الشيعية واحتمالات التحول – من بيئة ممسوكة إلى قوة حاسمة*

1. *الكتلة الشيعية كعمود اجتماعي–سياسي*

يضع عوض الكتلة الشيعية في قلب معادلة التحول المقبلة، بوصفها الكتلة الاجتماعية الأكثر عددًا وتنظيمًا وتضررًا في آن واحد. تاريخيًا، كانت هذه الكتلة رافعة أساسية لأي حراك اجتماعي في لبنان، وهي اليوم تعيش مفارقة قاسية حيث تعاني من أعلى درجات الاستنزاف مقابل أدنى مستويات الحماية.

2. *تآكل منظومة الأمان السابقة*

يشير التحليل إلى أن منظومات الأمان التي كانت تضبط الغضب الاجتماعي داخل هذه البيئة بدأت بالتفكك:

- تراجع التمويل الخارجي.

- تعطّل شبكات الإسناد الاجتماعي.

- منع إعادة الإعمار والتعويضات.

- ضغط أمني وسياسي وإعلامي غير مسبوق.

هذا التآكل لا يُنتج بالضرورة انفجارًا فوريًا، لكنه يرفع منسوب الاحتقان إلى مستويات خطرة.

3. *من شعار القضية الكبرى إلى مطلب الحياة*

يرى عوض أن التحول الأخطر والأعمق يتمثل في الانتقال التدريجي داخل هذه الكتلة من مركزية الشعارات الكبرى (تحرير فلسطين /و يا قدس إنا قادمون) إلى مركزية الشأن المعيشي والكرامة اليومية. هذا التحول، إذا لم يُقرأ بعمق، قد يُساء فهمه، لكنه في جوهره انتقال طبيعي حين يتقدّم سؤال البقاء على سؤال المشروع التاريخي.

4. *سيناريوهات التحول: انفجار، تمرّد، أو إعادة تموضع*

يفتح هذا الواقع بحسب عوض ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1- *الانفجار العفوي:* خروج غير منظم إلى الشارع قد ينقلب إلى فوضى.

2- *التمرّد الاجتماعي المنضبط:* تشكّل حراك ضاغط يفرض إعادة ترتيب الأولويات الوطنية.

3- *إعادة التموضع السياسي:* انتقال تدريجي نحو خطاب لبناني–اجتماعي يضع الدولة والحقوق في الصدارة.

ويؤكد عوض أن أيًّا من هذه السيناريوهات ستكون له ارتدادات وطنية شاملة، لأن هذه الكتلة – بحكم حجمها وموقعها – قادرة على ترجيح الكفة في اتجاه الانهيار الكامل أو فتح أفق إعادة التأسيس.

*ثالثًا: دروس 17 تشرين الأول وانكشاف الأوهام... تشابه الظروف ونضوج التجربة*

يقدّم عوض قراءة نقدية لتجربة 17 تشرين 2019 التي يسميها " ثورة الكرامة" والتي تفجرت عقب تداول أخبار عن فرض ضريبة على تطبيق واتساب. يرى عوض انها كانت ثورية، عفوية، جامعة، عابرة للطوائف حملت قضية لبنان الوطن وتوحدت على شعار إسقاط النظام و "كلّن يعني كلّن"

لكنها أجهضت سياسيا" من كل الأطراف وجرى احتواؤها وتفكيكها عبر الصراعات السياسية وشعار السلاح. وبانسحاب الكتلة الوازنة والأكثر تنظيما" بناء على قرار القيادة لديها فقد الحراك دعامته الأساسية. وبقيت مجموعات ومنظمات وأفراد مما أدى إلى قمعها وتفكيكها. ويصف ما نتج عنها من سلوك الدولة كان نفوذ سياسي جديد بدء يحمل عنوان الثورة وانتهى جزء من منظومة الفساد والتعطيل.

اليوم، يضيف عوض، اكتسب المجتمع خبرة مريرة، وانكشفت النخب والقيادات الزائفة، ما يخلق وعياً أعلى، لكنه لا يضمن وحده النجاح.

*رابعًا: المتغيرات الجديدة – لماذا الوضع أخطر اليوم؟*

يقرأ د.عوض في المتغيرات التي تجعل حالة التقييد والضغط أكثر خطورة، ويلخصها بنقاط ثلاث:

1. *انسداد أبواب الهجرة*

لم تعد الهجرة صمام أمان ومنفذ يهرب عبره اللبنانيون من الأزمات التي تخلقها الدولة لتحقيق مصالحها، فأوروبا اليوم مأزومة اقتصادياً و اجتماعياً،

كندا وأستراليا مغلقتان نسبياً و

الولايات المتحدة علّقت التأشيرات.

2. *جفاف مصادر التمويل*

من حيث تراجع تحويلات المغتربين، توقف أو تقلص التمويل الذي كان يأتي للسلاح ورجاله والمساعدات للسوريين والفلسطينين. انتفاء وجفاف الموارد التي كانت تضخ مليارات في الدورة الاقتصادية يجعل فرصة المنظومة في الحفاظ على حالة الاستقرار الاجتماعي معدومة.

3. *تحوّل القواعد الاجتماعية*

خصوصاً داخل البيئة الشيعية التي استُنزفت اقتصادياً و مُنعت من إعادة الإعمار والأهم

فقدت خطاب «الهدف الأكبر».

وهذا، وفق عوض، قد ينتج تحولات عميقة وغير متوقعة.

*خامسًا:غياب ثلاثة عوامل كانت تمنع سقوط المنظومة: لماذا انتهت صلاحية الاستمرار؟*

في التقييم الأخطر يرى عوض أن بقاء المنظومة الحاكمة في لبنان لم يكن نتاج قوة ذاتية بقدر ما كان نتيجة غياب ثلاثة عوامل حاسمة لو توفّرت سابقًا لسقطت الحكومة والنظام منذ سنوات. اليوم، الخطير ليس غياب هذه العوامل، بل اختفاؤها الكامل، ما يجعل الانهيار مفتوحًا على كل الاحتمالات.

1. *غياب البديل المنظَّم (عامل الاستمرارية الأول)*

طوال المرحلة السابقة، استفادت المنظومة من حقيقة أساسية: لا بديل سياسي منظّم، موحَّد، وقادر على الحكم. بينما كانت التحركات المعارضةمشتّتة

وأخلاقية الخطاب لكنها بلا أدوات، احتجاجية إنما بلا برنامج.

هذا الغياب سمح للمنظومة بتسويق نفسها كـ«الشرّ الأقل» وكخيار اضطراري لمنع الفراغ. اليوم، الخطر أن هذا العامل لم يعد يعمل لصالحها؛ إذ لم يعد الخوف من البديل كافيًا لتبرير الانهيار المعيشي الكامل، ما يفتح الباب أمام بدائل فوضوية أو شعبوية أو حتى عنيفة.

2. *غياب الكتلة الاجتماعية الكاسرة (عامل الردع الشعبي)*

المنظومة استمرّت لأن المجتمع كان مفككًا طائفيًا، خائفًا اقتصاديًا، ومستنزفًا نفسيًا

لم تتشكّل كتلة اجتماعية عابرة للطوائف قادرة على كسر التوازنات باستثناء الكتلة الشيعية الوازنة والتي تشكل اليوم القوة الاكثر تعرضا للتهميش والاضطهاد. اليوم، هذا الغياب يتحوّل إلى سلاح ذي حدّين من جهة، لم تتكوّن بعد قيادة تغيير واضحة.

من جهة أخرى، تراكم الغضب بلا قنوات تصريف يرفع احتمالات الانفجار العشوائي، لا الانتفاضة المنظمة.

3. *غياب القرار الخارجي بعدم إسقاط المنظومة (عامل الحماية الدولية)*

الأخطر أن المنظومة اللبنانية لم تسقط سابقًا لأن الخارج لم يرد إسقاطها. حيث كانت هناك

مظلّة دولية لمنع الانهيار الشامل، وخطوط حمراء على الفوضى، إضافة إلى تفضيل للاستقرار الهش على المجهول

اليوم، هذا العامل تحديدًا يتآكل بسرعة. لبنان لم يعد أولوية، بل عبئًا. الخارج انتقل من منطق "الحماية" إلى منطق "الإدارة عن بُعد"، أو حتى ترك الانفجار يحدث خاصة أن مشروع ترمب الذي يديره براك واضح بوجود قرار حاسم بتفكيك الكيان والمنظومة في خدمة إعادة الترتيب الإقليمي لمصلحة صفقات ترمب .

*حين يغيب ما كان يمنع السقوط*

استمرّت المنظومة لأن هذه العوامل الثلاثة كانت غائبة أو مُعطّلة. اليوم، الأخطر ليس غيابها، بل انكشاف المنظومة دون أي شبكة أمان أو شرعية أو قدرة، أو حماية من الخارج.

*وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية وإلحاحًا الذي يطرحه عوض :* هل يسقط النظام بضغط داخلي منظَّم؟ أم بانفجار اجتماعي غير مضبوط؟ أم بتدخّل خارجي يعيد إنتاجه بصيغة أكثر قسوة؟

*سادسًا: من الشرارة إلى المجهول*

يؤكد عوض أن الشرارات الكبرى غالباً ما تنطلق من أسباب صغيرة وغير متوقعة. الخطر لا يكمن في الانفجار بحد ذاته، بل في غياب القوة القادرة على توجيهه نحو مشروع وطني جامع، يمنع تحويله إلى أداة تفتيت أو وصاية خارجية.

*سابعًا: إيران – سياسة التسخين والتبريد كنمط دائم*

1. *تكتيك ترامب: التهويل ثم التراجع*

يضع عوض السلوك الأميركي، وتحديداً سلوك دونالد ترامب، في إطار تكتيك مجرَّب: رفع منسوب التهديد، التلويح بالتصعيد، ثم العودة إلى خطاب الصفقة والتسوية. هذا النمط الذي سبق اعتماده عشية حرب الأيام الاثني عشر ليس دليلاً على تراجع أو تناقض، بل أداة ضغط نفسي وسياسي تهدف إلى إنهاك الخصم، اختبار تماسكه الداخلي وتحفيز بيئته على القلق والتململ.

من هنا، يحذّر عوض من الوقوع في فخ القراءة السطحية للتصريحات الأميركية، ويؤكد أن إيران – بحكم التجربة – لن تكرر أخطاء الماضي، وأنها تتعامل مع هذه الموجات بقدر عالٍ من التحفّز والانتباه.

2. *استهداف إيران كنموذج لا كدولة فقط*

يركّز التحليل على أن المطلوب ليس إسقاط نظام سياسي فحسب، بل إسقاط نموذج حضاري – عقائدي نموذج يربط السياسة بفكرة «نصرة المستضعفين».

نموذج حمل عبء القضية الفلسطينية خارج الحسابات القومية أو المذهبية الضيقة.

والأهم أنه نموذج يتعارض جوهرياً مع منظومة القيم الأنجلو–ساكسونية في طور شيخوختها.

لذلك، فإن الصراع مع إيران، وفق هذا المنظور، هو صراع على المعنى والشرعية، لا على النفوذ فقط.

*ثامنًا: العراق كمنصة اختبار – الساحة الأخطر في مرحلة ما قبل التحول*

يعتبر عوض أن العراق دخل مرحلة «التسخين» المتقدم، وأنه يُحضَّر ليكون ساحة انتزاع النفوذ الإيراني عبر:

- خلق أزمات اقتصادية ونقدية.

- العبث بسعر الدولار.

- توتير المشهد السياسي الداخلي.

وأما تصريحات توماس باراك، وتحذيره العلني من تشكيل حكومة بقيادة نوري المالكي، تُقرأ باعتبارها رسالة تحذير أميركية مباشرة، على لسان ترامب ومفوّضه في إدارة مشروع إعادة هيكلة المنطقة.

*خاتمة*

في هذا اللقاء يقدم ميخائيل عوض قراءة صادقة لما تحت السطح. لبنان، كما يراه يقف على حافة لحظة فاصلة إما وعيٌ وتنظيمٌ ومشروع، أو انفجار يأكل ما تبقى من الدولة والمجتمع.

التحذير اليوم أكثر من تعليق الجرس، والرهان الأخير يبقى على قدرة المجتمع على تحويل المخاطر الى فرصة ليكون لبنان قائدا في مشهد العالم الجديد، وتحويل الكارثة الوشيكة إلى فرصة إعادة تأسيس.

بتاريخ: 29.01.2026

لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط


https://youtu.be/91LKMG22gFw?si=rl8lFVcUdP2fNAyu

الأكثر قراءة
"ترامب أوّلاً، وأميرِكا وحدَها".
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً