دراسة جديدة تحدد مركزا دماغيا مسؤولا عن استمرار الألم المزمن
دراسات و أبحاث
دراسة جديدة تحدد مركزا دماغيا مسؤولا عن استمرار الألم المزمن
30 كانون الثاني 2026 , 17:01 م

كشفت دراسة حديثة من جامعة كولورادو بولدر أن دائرة عصبية تقع في منطقة غير مدروسة بشكل كافٍ من الدماغ تلعب دورا محوريا في تحويل الألم المؤقت إلى ألم مزمن قد يستمر لأشهر أو سنوات.

وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في مجلة The Journal of Neuroscience، أن تعطيل هذه الدائرة العصبية، المعروفة باسم القشرة الجزيرية الحبيبية الذيلية (CGIC)، يمكن أن يمنع حدوث الألم المزمن أو يوقفه حتى بعد أن يبدأ.

مركز اتخاذ القرار في الألم المزمن

قالت الباحثة الرئيسية ليندا واتكينز، أستاذة علم الأعصاب السلوكي في كلية الآداب والعلوم بجامعة كولورادو:

«استخدمت دراستنا مجموعة من أكثر التقنيات تطورا لتحديد الدائرة الدماغية المسؤولة عن اتخاذ القرار الحاسم بتحويل الألم إلى حالة مزمنة، وإصدار الأوامر إلى الحبل الشوكي لتنفيذ ذلك».

وأضافت:

«عندما يتم إسكات هذا المركز الحاسم، لا يتطور الألم المزمن. وإذا كان الألم قائما بالفعل، فإنه يتلاشى».

طفرة علمية في أبحاث الدماغ

تأتي هذه النتائج في وقت يشهد ما وصفه الباحث الأول جيسون بول بـ«الاندفاع الذهبي لعلم الأعصاب»، حيث أتاحت أدوات حديثة للعلماء:

التلاعب الجيني الدقيق بمجموعات محددة من الخلايا العصبية

تحديد أهداف علاجية جديدة بدرجة غير مسبوقة من الدقة

وقد تمهد هذه التطورات الطريق لعلاجات مستقبلية مثل:

الحقن أو التسريب الموجّه داخل الدماغ

واجهات الدماغ–الآلة

وهي بدائل قد تكون أكثر أمانا وفعالية من المسكنات الأفيونية.

الألم المزمن بالأرقام

بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC):

يعاني نحو شخص واحد من كل أربعة بالغين من ألم مزمن

ويقول قرابة شخص واحد من كل عشرة إن الألم المزمن يعيق حياته اليومية وقدرته على العمل

عندما يصبح اللمس مؤلما

يعاني كثير من مرضى الألم العصبي من حالة تُعرف باسم فرط الإحساس بالألم (Allodynia)، حيث يؤدي حتى اللمس الخفيف إلى شعور بالألم.

ويكمن الفرق الأساسي بين:

الألم الحاد: إشارة تحذيرية مؤقتة تنتج عن إصابة نسيجية

الألم المزمن: إنذار كاذب يستمر في الدماغ بعد شفاء الإصابة الأصلية

وقالت واتكينز:

«سبب وكيفية فشل الألم في الزوال وتحوله إلى ألم مزمن يظل أحد أكبر الأسئلة التي لم تُجب بعد بشكل كامل».

تعطيل دائرة الألم المزمن

في دراسة سابقة عام 2011، أشار مختبر واتكينز إلى أن القشرة الجزيرية الحبيبية الذيلية (CGIC)، وهي تجمع عصبي صغير بحجم مكعب السكر يقع عميقا داخل طيات الدماغ، تلعب دورا مهما في فرط الحساسية للألم.

كما أظهرت دراسات بشرية أن هذه المنطقة تكون مفرطة النشاط لدى مرضى الألم المزمن.

لكن في الماضي، لم يكن من الممكن التأثير على هذه المنطقة إلا من خلال إزالتها جراحيًا، وهو خيار غير واقعي علاجيا.

تقنيات متقدمة تكشف آلية استمرار الألم

في الدراسة الحالية، استخدم الباحثون:

بروتينات فلورية لتحديد الخلايا العصبية النشطة بعد إصابة العصب الوركي لدى الفئران

أدوات كيميائية وراثية (Chemogenetics) لتشغيل أو إيقاف جينات داخل مجموعات محددة من الخلايا العصبية

وتبيّن أن:

دور CGIC محدود في الألم الحاد

لكنه أساسي في إبقاء الألم قائما على المدى الطويل

كيف يستمر الألم داخل الجهاز العصبي؟

أوضحت النتائج أن CGIC:

ترسل إشارات إلى القشرة الجسدية الحسية في الدماغ

والتي بدورها تُصدر أوامر للحبل الشوكي لمواصلة نقل إشارات الألم

وقال جيسون بول:

«تنشيط هذا المسار يثير الجزء من الحبل الشوكي المسؤول عن نقل اللمس والألم، ما يجعل اللمس يُفسَّر على أنه ألم».

إيقاف الألم قبل أن يصبح مزمنا

عندما عطّل الباحثون هذه الدائرة العصبية مباشرة بعد الإصابة، كان الألم قصير الأمد.

أما لدى الحيوانات التي كانت تعاني بالفعل من ألم مزمن، فقد أدى تعطيل المسار العصبي إلى اختفاء الألم.

وقال بول:

«تقدم دراستنا دليلا واضحا على إمكانية استهداف مسارات دماغية محددة بشكل مباشر للتحكم في الإحساس بالألم».

آفاق علاجية مستقبلية

لا يزال من غير المعروف ما الذي يدفع CGIC إلى بدء إرسال إشارات الألم المزمن، كما أن تطبيق هذه النتائج على البشر يتطلب مزيدا من الأبحاث.

ومع ذلك، يتوقع الباحثون مستقبلا تُعالج فيه حالات الألم المزمن عبر:

حقن أو تسريبات تستهدف خلايا دماغية محددة

أو واجهات دماغ–آلة تُزرع أو تُثبت على الجمجمة

وذلك دون الآثار الجانبية الواسعة أو مخاطر الإدمان المرتبطة بالأفيونات.

المصدر: مجلة The Journal of Neuroscience