اكتشاف علمي يفسّر كيف تحوّل المواد المهلوسة الذاكرة إلى هلوسات
دراسات و أبحاث
اكتشاف علمي يفسّر كيف تحوّل المواد المهلوسة الذاكرة إلى هلوسات
21 شباط 2026 , 14:18 م

كشفت دراسة علمية حديثة أن المواد المهلوسة تعيد تشكيل إدراك الإنسان للواقع من خلال تقليل تأثير الإشارات البصرية القادمة من العالم الخارجي، وفي المقابل تعزيز نشاط شبكات الذاكرة داخل الدماغ، مما يؤدي إلى ظهور الهلوسات.

وأجرى هذه الدراسة باحثون من Ruhr University Bochum، حيث توصلوا إلى تفسير جديد لكيفية نشوء التجارب الحسية غير الواقعية الناتجة عن هذه المركبات.

كيف تؤثر المواد المهلوسة في الدماغ؟

ترتبط المواد المهلوسة بمستقبلات السيروتونين في الدماغ، وهو ناقل عصبي مهم ينظم المزاج والإدراك والتعلم. وقد حدد العلماء ما لا يقل عن 14 نوعا من هذه المستقبلات، إلا أن المواد المهلوسة تستهدف بشكل رئيسي مستقبلا يُعرف باسم 2A.

ويلعب هذا المستقبل دورا أساسيا في تقليل النشاط داخل المناطق البصرية في الدماغ، إضافة إلى تأثيره في عمليات التعلم.

وأوضح الباحث كالوم وايت أن الدراسات السابقة أظهرت أن هذا المستقبل يثبط المعالجة البصرية، مما يجعل المعلومات القادمة من العالم الخارجي أقل وضوحا في الوعي، ونتيجة لذلك يقوم الدماغ بملء الفراغ عبر إدخال أجزاء من الذكريات، وهو ما يؤدي إلى حدوث الهلوسة.

عندما تضعف الإشارات الحسية يزداد الاعتماد على الذاكرة

عندما تصبح المدخلات البصرية أضعف، يحاول الدماغ تعويض ذلك. وبدل الاعتماد الكامل على المعلومات الواردة من البيئة، يسترجع أجزاء من الخبرات المخزنة سابقا.

وتندمج هذه الذكريات مع الإدراك الحسي، مما يؤدي إلى خلق تجارب تبدو واقعية لكنها ناتجة عن نشاط داخلي في الدماغ.

موجات دماغية بطيئة تربط بين الرؤية والذاكرة

درس الباحثون أيضا كيفية حدوث هذا التحول داخل الدماغ. فقد تبين أن المواد المهلوسة تعزز أنماطا إيقاعية من النشاط العصبي تُعرف باسم التذبذبات في المناطق البصرية.

وبعد تناول هذه المواد، بدأت المناطق البصرية توليد موجات منخفضة التردد (حوالي 5 هرتز). وتحفز هذه الموجات منطقة أخرى تُسمى القشرة الخلفية للحزام، وهي مركز مهم للوصول إلى المعلومات المخزنة في الذاكرة.

ومع زيادة التواصل بين هذه المناطق، يدخل الدماغ في حالة وظيفية مختلفة، حيث ينخفض الوعي بالأحداث الجارية ويعتمد الإدراك بدرجة أكبر على الذاكرة. ويصف الباحثون هذه الحالة بأنها تشبه "حلما جزئيا".

تصوير نشاط الدماغ في الوقت الحقيقي

لمراقبة هذه التغيرات بشكل مباشر، استخدم الفريق تقنية تصوير بصري متقدمة تتيح رصد النشاط العصبي عبر كامل سطح الدماغ في الوقت الفعلي.

واعتمدت التجارب على فئران معدلة وراثيا طوّرها الباحث توماس كنوبفل من Hong Kong Baptist University، بحيث تنتج بروتينات فلورية في أنواع محددة من خلايا الدماغ.

وسمح هذا النهج للعلماء بتحديد الخلايا النشطة بدقة، خاصة الخلايا الهرمية في طبقات معينة من القشرة الدماغية، والتي تُعد أساسية لنقل الإشارات داخل الدماغ وبين مناطقه المختلفة.

آفاق علاجية للاكتئاب والقلق

تعزز هذه النتائج الأساس العلمي للعلاج النفسي المدعوم بالمواد المهلوسة، حيث يدرس علماء النفس إمكانية استخدامها لعلاج اضطرابات القلق والاكتئاب.

وعند استخدامها تحت إشراف طبي، يمكن لهذه المواد أن تغيّر مؤقتًا حالة الدماغ، مما يساعد على استرجاع الذكريات الإيجابية وإعادة تشكيل أنماط التفكير السلبية المترسخة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تسهم في تطوير علاجات أكثر تخصيصًا في المستقبل، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي باستخدام هذه المركبات في الطب النفسي.

خطوة مهمة لفهم بيولوجيا الهلوسة

يساعد هذا الاكتشاف في توضيح كيفية تقليل سيطرة الحواس الخارجية وتعزيز الإدراك المعتمد على الذاكرة، مما يفتح آفاقا لفهم أعمق لبيولوجيا الهلوسة ودور المواد المهلوسة كأدوات علاجية محتملة في الطب الحديث.

المصدر: Ruhr University Bochum