بقلم ( عباس المعلم )
ليس في التاريخ السياسي كيانات كثيرة تشبه لبنان، لا من حيث تركيبته، ولا من حيث مساره، ولا من حيث قدرته الغريبة على الاستمرار خارج منطق الدولة. كيانٌ يعيش قرناً كاملاً بلا تعريف حاسم لذاته، بلا مركز سياسي جامع، وبلا نظام عام نافذ، ومع ذلك يواصل الوجود، لا بوصفه دولة، بل كمساحة مفتوحة للاختلاف الدائم. لبنان ليس لغزاً بقدر ما هو حالة مُعلَنة من التناقض المستقر، ونموذج لكيان صُمِّم ليُدار لا ليُحكَم، وليتوازن لا ليستقر.
منذ نشأته، لم يُبنَ لبنان على فكرة الدولة الحديثة كما تَشكّلت في التجارب التاريخية المقارنة، بل على صيغة توافقية هشّة، قوامها الجمع القسري بين جماعات لا يجمعها تعريف واحد للسيادة، ولا رؤية مشتركة للنظام العام، ولا تصور موحّد للانتماء السياسي. هكذا، لم يكن الخلاف في لبنان طارئاً على الكيان، بل مكوّناً تأسيسياً فيه، ولم تكن الأزمة نتيجة سوء إدارة، بل نتيجة بنية تُنتج الأزمات بوصفها نمطاً دائماً للوجود.
في هذا السياق، يصبح البحث عن “دولة مركزية” أو “نظام وطني جامع” أشبه بمحاولة إسقاط مفاهيم جاهزة على واقع لا يستوعبها. فلبنان لم يعرف في أي مرحلة من تاريخه لحظة إجماع تأسيسي، ولا عقداً وطنياً صلباً، ولا مرجعية سياسية عليا تتقدّم على الجماعات. ما عرفه هو إدارة مستمرة للتناقض، وتسويات مؤقتة، وهدن سياسية، تُمدِّد عمر الكيان من دون أن تمنحه معنى الدولة.
من هنا، لا يمكن مقاربة الحالة اللبنانية بمنطق الفشل أو النجاح، ولا بمنطق التأخير أو الانتظار. لبنان ليس دولة لم تكتمل، بل كيان لم يُرِد ولم يستطع أن يُنجز شروط الدولة. إنه نموذج سياسي قائم بذاته، تُشكّل فيه الطوائف والجماعات وحدات سياسية فعلية، فيما تبقى الدولة إطاراً شكلياً، وظيفته تنظيم الخلاف لا حسمه، وتأجيل الصدام لا إنهاء أسبابه.
ومن هذا المدخل، لا يعود السؤال: لماذا لا تقوم الدولة في لبنان؟ بل: كيف استمر هذا الكيان قرناً كاملاً من دون دولة جامعة، ومن دون نظام عام مُلزِم، ومن دون تعريف واحد لذاته؟ هنا يبدأ فهم لبنان كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
ليس لبنان دولة فاشلة، ولا مشروع دولة لم يكتمل، ولا كياناً انحرف عن مساره الطبيعي. لبنان هو، في جوهره، كيان صيغ على نحو يمنع قيام دولة مركزية بالمعنى الكلاسيكي، ويستحيل معه إنتاج نظام عام وطني جامع. منذ إعلان «لبنان الكبير»، لم يكن السؤال الحقيقي كيف تُبنى الدولة، بل كيف يُدار التناقض، وكيف يُؤجَّل الانفجار، وكيف يُمنع أي طرف من حسم المعنى النهائي للكيان.
لبنان لم يعرف في تاريخه سلطة عامة واحدة، بل عرف سلطات متوازية، تتعايش قسراً وتتصارع ضمناً. لم تتشكّل فيه دولة بوصفها مرجعية عليا، بل تكوّن كفضاء تفاوض دائم بين جماعات متنافرة، لكل منها تصورها الخاص للشرعية، وللنظام، وللعدو، وللصديق، وللمصلحة العامة. الدولة، حيث وُجدت، لم تكن سوى إطار شكلي لإدارة هذا التنافر، لا أداة لتجاوزه.
الإشكالية اللبنانية ليست في غياب التطبيق، بل في غياب التعريف. لا تعريف ثابت للنظام العام، ولا اتفاق على ثوابته، ولا على حدوده، ولا على أولوياته. ما يُسمّى مؤسسات دستورية لم تتحول يوماً إلى مؤسسات سيادية مستقلة، بل بقيت انعكاساً لتوازنات الجماعات، تتصلّب أو تتعطّل وفق مزاج الانقسام. القانون نفسه لم يصبح قيمة جامعة، بل مادة تأويل دائم، يخضع للانتماء قبل المبدأ، وللهوية قبل النص.
التركيبة الطائفية في لبنان ليست مجرد تنوع اجتماعي أو ديني، بل هي بنية سياسية كاملة، مغلقة على ذاتها، تُنتج منطقها الخاص في الحكم والولاء والتمثيل. كل طائفة هي، في العمق، وحدة سياسية قائمة بذاتها، بذاكرتها، ومخاوفها، وروايتها للتاريخ، وتعريفها للحقوق والواجبات. وفي ظل هذا التكوين، لا يعود ممكناً إنتاج نظام وطني جامع، لأن أي محاولة للتوحيد تُقرأ فوراً كتهديد وجودي لطرف ما.
الخلاف اللبناني ليس خلاف برامج أو سياسات، بل خلاف على المسلّمات. لا إجماع على معنى الديمقراطية، ولا على حدود الحرية، ولا على وظيفة الدولة، ولا على طبيعة المجتمع. الديمقراطية تُفهم كآلية لتعطيل الآخر لا لتنظيم التنافس، والحريات تُقبل ما دامت لا تمس البُنى العميقة للجماعات، والحصانات تحوّلت إلى تعبير عن خوف مزمن من أي سلطة جامعة. في بلد بهذا الحجم، وبهذا القدر من التشظي، أصبحت الحصانة قاعدة لا استثناء، واللامساءلة نمط حكم لا عارضاً.
لا يوجد في لبنان إجماع وطني بالمعنى الصلب للكلمة. لا إجماع على الدستور لأنه نصّ توافقي قابل للتفسير بعدد الجماعات. لا إجماع على التاريخ لأنه موزّع بين سرديات متناقضة. لا إجماع على السياسة الخارجية لأنها امتداد لانقسامات الداخل. لا إجماع على الهوية الثقافية ولا على الانتماء الحضاري. حتى اللغة والرموز والذاكرة العامة لم تنجُ من التفكك. كل ما في لبنان قابل للنقاش، وإعادة النقاش، ونقض النقاش.
الصفة الثابتة الوحيدة في لبنان هي الاختلاف. ليس اختلافاً صحياً منتجاً، بل تعارضاً وجودياً دائماً. كل جماعة تعيش في حالة استنفار، وتتعامل مع السياسة بوصفها إدارة خوف لا إدارة شأن عام. “الخطر الوجودي” ليس شعاراً ظرفياً، بل مكوّناً بنيوياً في الوعي الجمعي لكل المكونات. من هنا، لا تُنتج السياسة تسويات مستقرة، بل هدناً مؤقتة، ولا يُنتج النظام انتظاماً، بل توازناً هشاً قابلاً للانهيار في أي لحظة.
لبنان الذي يضم 18 طائفة وعشرات الجماعات لا يجمعها عقد سياسي واحد، ولا نظام قيمي موحّد، ولا حتى حد أدنى من الانسجام الداخلي داخل الجماعة الواحدة. بل إن أعنف الصراعات وقعت بين أبناء الطائفة نفسها، ما يؤكد أن المشكلة ليست فقط بين الطوائف، بل في بنية الانقسام نفسها، التي تُعيد إنتاج العنف داخلها كما تُنتجه في ما بينها.
الحالة اللبنانية ليست حالة انتقالية بانتظار الحل، بل حالة مستقرة في تناقضها. كيان يعيش على إدارة اللاممكن، ويستمر عبر تأجيل الحسم. الدولة المركزية ليست غائبة لأنها مُحارَبة، بل لأنها غير قابلة للتكوّن ضمن هذه البنية. والنظام الوطني الجامع ليس مؤجَّلاً، بل متعذّراً، لأن شروطه المعنوية والسياسية غير متوافرة.
لبنان ليس بلداً يفتقد الإرادة فقط، بل يفتقد الأرضية المشتركة التي تجعل الإرادة ممكنة. هو كيان بلا مركز معنوي، بلا سردية جامعة، بلا تعريف واحد لذاته. ولذلك، لا ينتج دولة، بل ينتج صيغ إدارة مؤقتة، ولا يصنع نظاماً عاماً، بل يكرّس أعرافاً متبدّلة، ولا يبني وحدة سياسية، بل يحافظ على توازن هش بين جماعات خائفة.
في هذا المعنى، لبنان ليس استثناءً ناجحاً ولا فشلاً عارضاً، بل نموذجاً لكيان يقوم على الخلاف بوصفه قاعدة، وعلى التعارض بوصفه هوية، وعلى اللايقين بوصفه نظاماً. وكل قراءة تحاول مقاربته بمنطق الدولة الكلاسيكية تخطئ في التشخيص قبل أن تخطئ في الحل. لبنان هو ما هو: كيان متعدّد بلا جامع، ومجتمع سياسي بلا مركز، ودولة بالاسم… ومن دون معنى سيادي مكتمل..
عباس المعلم - كاتب سياسي