عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في خضمّ الأزمات الخطيرة التي يشعلها طغاة هذا العصر، من فنزويلا إلى غرينلاند، ومن تهديدات إيران إلى ابتزاز العالم بالقوة والهيمنة، ينشغل معظم المحللين السياسيين والعسكريين بحسابات السلاح والاقتصاد والأساطيل. يزينون الوقائع بميزانٍ ماديٍّ أعور، ويتناسون العامل الحاسم الذي حكم مسار التاريخ منذ فجر البشرية: سُنن الله في إسقاط الطغاة ونصرة المظلومين.
لقد علّمنا القرآن، لا بوصفه نصًا تعبديًا فحسب، بل كتابَ سننٍ وقوانين من عند الله سبحانه وتعالى؛ أن الطغيان مهما بلغ من القوة والجبروت يحمل في داخله بذور فنائه. فقوم عاد امتلكوا القوة، وثمود بلغوا شأنًا في العمران، وفرعون حشد الجند والمال، لكنهم جميعًا سقطوا عندما تجاوزوا الحدّ وادّعوا ما ليس لهم.
قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}، في تأكيد قاطع أن الطغيان ليس قدرًا دائمًا، بل مرحلة مؤقتة في اختبار البشر.
واليوم، حين يُراد للعالم أن يخاف من تهديدات ترامب وأشباهه، وأن يسلّم بأن ميزان القوة وحده هو الحاكم، يأتي القرآن ليقلب المعادلة. يقول تعالى في سورة آل عمران: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، ليؤكد أن التهويل والترهيب سلاح نفسي قبل أن يكون عسكريًا، وأن الخوف المصنوع هو أداة الشيطان لإخضاع الأمم.
ثم تأتي النتيجة الحاسمة: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}. هكذا يُسقط القرآن أسطورة «القوة التي لا تُقهر»، ويعيد تعريف النصر بأنه ثمرة الثبات والإيمان لا مجرد تفوّق عسكري.
وفي آية مفصلية تُسقط كل دعاوى الاستسلام، يقول الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39). إنها ليست دعوة للعدوان، بل شرعنة إلهية لمقاومة الظلم، وتأكيد أن الله لا يقف على الحياد حين يُستباح الحق وتُداس كرامة الشعوب.
التاريخ، حين يُقرأ بوعيٍ إيماني، لا يَظهر كسلسلة انتصارات للطغاة، بل كسجلٍّ لانكساراتهم المؤجلة. قد ينتفخ الطاغية زمنًا، وقد يُرهب العالم بأساطيله وعقوباته، لكنه في الحقيقة يعيش لحظاته الأخيرة قبل السقوط. فالطغيان، كما يعلّمنا القرآن، حالة مرضية تصيب الأفراد والإمبراطوريات، ومآلها واحد: الزوال.
إن النصر ليس وعدًا ساذجًا ولا حلمًا رومانسيًا، بل سُنّة إلهية مشروطة: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. وحين تنسى الأمم هذه الحقيقة، وتستبدل التوكل بالهلع، والإيمان بالارتهان للطغاة، تطول ليلتها. لكن الليل، مهما طال، لا يلغي حتمية الفجر.
إنَّ طغاة اليوم، مهما بدوا متغطرسين، ليسوا استثناءً في التاريخ، بل نسخة مكرّرة عن فرعون وعاد وثمود. والميزان الذي يُسقطهم لن يكون ميزان القوة وحده، بل ميزان الله العادل. فالطغيان إلى زوال، والنصر للمؤمنين، والله على كل شيء قدير.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
29 كانون الثاني/يناير 2026