في واحدة من أقسى البيئات الطبيعية في الصين، تحوّل مشروع زراعي تجريبي إلى نموذج ناجح للزراعة الاستراتيجية في الصحراء.
فبعيدا عن مزارع المطاط الاستوائية التقليدية، اختار باحثون صينيون صحراء غوبي كميدان اختبار لنوع جديد من المحاصيل ذات القيمة الاستراتيجية: أشجار تنتج مطاطا عالي الجودة مخصصا للاستخدامات الصناعية والعسكرية.
ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي بكين لتقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد الخارجية الهشة، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية والحروب التي أعادت رسم خريطة التجارة العالمية.
اعتماد كبير على الاستيراد يدفع نحو الاكتفاء الذاتي
تُعد الصين أكبر مستهلك ومستورد للمطاط الطبيعي في العالم، مدفوعة بشكل أساسي بصناعات السيارات والقطاع الصناعي الثقيل.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب الوطني تجاوز 7 ملايين طن العام الماضي، يتم استيراد أكثر من 85% منها من الخارج، مما يشكل نقطة ضعف استراتيجية واضحة.
لهذا السبب، وجّه العلماء أنظارهم إلى شجرة تُعرف باسم دوتشونغ (Eucommia ulmoides)، وهي شجرة معروفة في الطب الصيني التقليدي منذ قرون، لكنها تمثل في الوقت ذاته:
المصدر المحلي الوحيد للمطاط الطبيعي في الصين
ثاني أكبر مصدر للمطاط الطبيعي في العالم
مكون أساسي في أنظمة الدفاع المتقدمة
أثبت المطاط المستخرج من شجرة دوتشونغ قيمة استثنائية في التطبيقات الدفاعية.
فإضافة نسبة تتراوح بين 3% و5% فقط منه إلى مركبات المطاط الصناعي:
تعزز المتانة بشكل كبير
ترفع مقاومة التآكل والثقب
تحسّن أداء الإطارات عالية التحمل المستخدمة في المعدات العسكرية
كما يُستخدم هذا النوع من المطاط في مواد متقدمة للحماية من التداخل الكهرومغناطيسي، مما يجعله عنصرا مهما في أنظمة الدفاع الحديثة.
من سهول نهر اليانغتسي إلى قلب الصحراء
حتى وقت قريب، كانت زراعة دوتشونغ تتركز في وسط وجنوب الصين، خصوصا في سهل نهر اليانغتسي.
لكن الإنتاج ظل محدودا بسبب:
انخفاض الغلال
صعوبة عمليات الاستخراج
ارتفاع متطلبات العمالة
وهو ما حدّ من قدرة الشجرة على دخول سلاسل الإمداد الصناعية والعسكرية على نطاق واسع.
تجربة غير مسبوقة في صحراء غوبي
في عام 2016، قاد البروفيسور سو يينتشيوان، عميد كلية الغابات في جامعة الشمال الغربي للزراعة والغابات (Northwest A&F University)، فريقا بحثيا استأجر 14 هكتارا من الأراضي القاحلة في إقليم شينجيانغ.
وكانت تلك أول مرة تُزرع فيها شجرة دوتشونغ في هذه المنطقة الصحراوية القاسية.
وبحلول العام الماضي، تحولت الأرض الجرداء إلى غابة كثيفة ومنتجة من أشجار دوتشونغ، في نتائج فاقت التوقعات.
توسع وطني طموح حتى عام 2030
قال البروفيسور تشو مينغ تشيانغ، أحد المشاركين في المشروع منذ بدايته، إن صناعة دوتشونغ تشهد ازدهارا واضحا.
وتشير البيانات الحالية إلى أن:
الصين تزرع دوتشونغ على نحو 300 ألف هكتار
تخطط للتوسع إلى 3.3 ملايين هكتار بحلول عام 2030
منها 300 ألف هكتار إضافية في شينجيانغ وحدها
هندسة شجرة مطاطية تتحمل الصحراء
لم يكن تحويل شجرة طبية إلى محصول صحراوي استراتيجي أمرا بسيطا.
وكان التحدي الأول وراثيا، وللتغلب عليه، أنشأ الباحثون قاعدة متخصصة للتربية النباتية في مقاطعة لويانغ بمقاطعة شنشي.
وقام العلماء بـ:
فحص أكثر من 50 سلالة نخبوية من دوتشونغ من مختلف أنحاء الصين
اعتماد مؤشرات دقيقة للقيمة الطبية وإنتاج المطاط
تطوير سلالات قادرة على التكيف مع الجفاف والظروف الصحراوية
قفزة نوعية في تقنيات استخراج المطاط
التحدي الثاني تمثل في زيادة إنتاج المطاط.
ووفقا لخطة التنمية الوطنية لصناعة دوتشونغ (2016–2030):
قشور الثمار تحتوي على 15–18% مطاط
اللحاء يحتوي على 8–10%
الأوراق تحتوي على 2–3%
ما يجعل الاستخراج الكامل من جميع أجزاء الشجرة عنصرا أساسيا لجدوى المشروع اقتصاديًا.
وفي نوفمبر الماضي، أعلن البروفيسور تشو عن اختراق تقني جديد نُشر في مجلة ACS Sustainable Chemistry & Engineering.
تقنية صديقة للبيئة تدعم الإنتاج الصناعي
تعتمد الطريقة الجديدة، المعروفة باسم “الاستخلاص ذي الأولوية للمطاط”، على:
مذيبات صديقة للبيئة منخفضة نقطة الانصهار
معالجة حيوية لفصل الصمغ مبدئيا
خطوات دقيقة لاحقة لعزل المطاط
وقد أسفرت هذه التقنية عن:
تسريع عملية الاستخراج
تقليل استهلاك الطاقة والمذيبات
تحقيق غلال مرتفعة ونقاء استثنائي
ما يجعل إنتاج مطاط دوتشونغ على نطاق صناعي واسع أكثر استدامة وجدوى اقتصادية.
رسالة استراتيجية واضحة
يُظهر هذا المشروع كيف يمكن للزراعة المتقدمة والتقنيات الحيوية أن تتحول إلى أداة استراتيجية في تعزيز الأمن الصناعي والعسكري، في وقت تتزايد فيه الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.