كشفت دراسة علمية حديثة أن تأثير السمنة على صحة الدماغ لا يعتمد فقط على كمية الدهون في الجسم، بل يتأثر بشكل كبير بمكان تخزين هذه الدهون .
وأظهرت النتائج أن أنماطا خفية من تراكم الدهون قد ترتبط بتسارع شيخوخة الدماغ وتراجع الوظائف الإدراكية، حتى لدى أشخاص لا يبدون بدناء بشكل واضح.
الدراسة نُشرت في مجلة Radiology، وهي المجلة الرسمية للجمعية الإشعاعية لأمريكا الشمالية (RSNA).
أنماط غير متوقعة لتوزيع الدهون في الجسم
اعتمد الباحثون من المستشفى التابع لجامعة شوتشو الطبية في الصين على فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتحديد أنماط توزيع الدهون في الجسم.
وتمكن الفريق من اكتشاف نمطين جديدين لم يكن قد تم توصيفهما سابقا، وكانا الأكثر ارتباطا بتغيرات ضارة في بنية الدماغ والوظائف المعرفية:
النمط السائد للدهون البنكرياسية
نمط “النحفاء البدناء” (Skinny Fat)
وقد أظهر هذان النمطان أقوى ارتباط بفقدان المادة الرمادية في الدماغ، وتسارع الشيخوخة الدماغية، وضعف القدرات الذهنية، وارتفاع خطر الإصابة بأمراض عصبية.
تجاوز المقاييس التقليدية للسمنة
تشير دراسات سابقة إلى وجود علاقة بين السمنة وضعف صحة الدماغ، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع الدهون الحشوية.
لكن هذه الدراسة اتخذت نهجا أكثر دقة من خلال تحليل أماكن تراكم الدهون داخل الأعضاء، وليس الاكتفاء بمؤشر كتلة الجسم (BMI).
وقال الدكتور كاي ليو، المشارك في إعداد الدراسة وأستاذ الأشعة المشارك:
“استفدنا من قدرة التصوير بالرنين المغناطيسي على قياس الدهون بدقة داخل الأعضاء الداخلية، ما سمح لنا بتصنيف أنماط الدهون اعتمادا على البيانات، وليس على التقدير البصري أو المقاييس التقليدية”.
تحليل بيانات ضخمة يربط الدهون بصحة الدماغ
حلل الباحثون بيانات 25,997 مشاركًا من قاعدة بيانات UK Biobank، التي تحتوي على:
صور رنين مغناطيسي مجهولة الهوية
قياسات جسدية
بيانات ديموغرافية
مؤشرات حيوية للأمراض
تاريخ طبي وأنماط حياة
وأتاح هذا الحجم الكبير من البيانات مقارنة دقيقة بين أنماط الدهون المختلفة ومؤشرات صحة الدماغ.
الدهون البنكرياسية: خطر صحي غير مرئي
أظهر الأشخاص المصنفون ضمن نمط الدهون البنكرياسية السائدة مستويات مرتفعة جدا من الدهون داخل البنكرياس، وصلت إلى نحو 30% وفق مقياس دقيق يُعرف باسم كسر كثافة البروتون الدهني.
وأوضح الدكتور ليو أن:
هذه النسبة تعادل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف المعدلات لدى الأنماط الأخرى
وقد تصل إلى ستة أضعاف مقارنة بالأشخاص النحفاء
ورغم ذلك، لم يُظهر هؤلاء الأشخاص ارتفاعا ملحوظا في دهون الكبد، ما يجعل هذا النمط مختلفا وغالبا غير ملحوظ سريريا.
وأضاف ليو:
“في الممارسة الطبية اليومية، نركز غالبا على تشخيص الكبد الدهني، لكن من منظور صحة الدماغ وخطر الأمراض العصبية، قد تكون الدهون البنكرياسية مؤشرًا أكثر خطورة”.
من هم “النحفاء البدناء”؟
يمثل نمط النحفاء البدناء فئة من الأشخاص الذين:
لا يبدون بدناء بشكل واضح
يملكون مؤشر كتلة جسم متوسطا نسبيا
لكن لديهم نسبة مرتفعة من الدهون مقارنة بالكتلة العضلية
وتكون الدهون في هذا النمط:
موزعة في معظم أنحاء الجسم
مع تركّز ملحوظ في منطقة البطن
دون ارتفاع كبير في دهون الكبد أو البنكرياس
وأشار الباحثون إلى أن هذا النمط قد يكون أكثر شيوعا لدى الرجال، ويرتبط بنسبة وزن إلى عضلات مرتفعة، مما يجعله خادعا من الناحية الشكلية.
تداعيات مهمة على صحة الدماغ
ركزت الدراسة على المخاطر العصبية والمعرفية المرتبطة بأنماط توزيع الدهون، ووجدت أن هذه الأنماط:
ترتبط بتسارع شيخوخة الدماغ
تزيد من فقدان المادة الرمادية
ترفع خطر التدهور المعرفي والأمراض العصبية
وأشار الباحثون إلى أن هناك حاجة لمزيد من الدراسات لفهم العلاقة بين هذه الأنماط وأمراض أخرى، مثل أمراض القلب والتمثيل الغذائي.
رسالة طبية واضحة
خلص الباحثون إلى أن تحسين صحة الدماغ لا يعتمد فقط على خفض الوزن، بل يتطلب فهمًا أعمق لمكان تراكم الدهون داخل الجسم.
وقال الدكتور ليو:
“صحة الدماغ لا تتعلق بكمية الدهون فقط، بل بالمكان الذي تتجه إليه هذه الدهون”.