التمارين الرياضية تساعد في تحسين الصحة النفسية؟
دراسات و أبحاث
التمارين الرياضية تساعد في تحسين الصحة النفسية؟
10 آذار 2026 , 14:14 م

تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن ممارسة التمارين الرياضية لا تقتصر فوائدها على تحسين صحة القلب واللياقة البدنية، بل تلعب دورا مهما في تعزيز الصحة النفسية وتقليل أعراض القلق والاكتئاب. ويرتبط ذلك بتغيرات كيميائية تحدث داخل الجسم، من بينها ما يُعرف بـ “مفتاح التريبتوفان”.

انتشار متزايد لمشكلات الصحة النفسية

تشير البيانات إلى أن شخصا واحدا من كل خمسة أشخاص في كندا يعيش في أي وقت مع تحديات مرتبطة بالصحة النفسية، مثل القلق أو الاكتئاب. وقد ارتفع هذا الرقم بشكل تدريجي خلال السنوات الأخيرة.

ورغم أن الحديث عن الصحة النفسية أصبح أكثر انتشارا مقارنة بالماضي، فإن الوصمة الاجتماعية لا تزال قائمة. وتشير التقديرات إلى أن الأفراد أقل احتمالا بنحو ثلاث مرات للإبلاغ عن إصابتهم بمرض نفسي مقارنة بإبلاغهم عن مرض جسدي.

تتوفر حاليا العديد من العلاجات الفعّالة للصحة النفسية، لكن الوصول إلى التشخيص والعلاج قد يستغرق سنوات في بعض الحالات. كما أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج اضطرابات المزاج قد تسبب آثارا جانبية تدفع بعض المرضى إلى التوقف عن استخدامها. كذلك قد تكون جلسات العلاج النفسي التقليدية مكلفة، وغالبا لا تغطيها شركات التأمين بشكل كامل.

التمارين الرياضية كأداة إضافية للعلاج

في المقابل، توجد وسيلة بسيطة ومتاحة يمكن أن تكون إضافة مهمة إلى أساليب العلاج النفسي، وهي ممارسة التمارين الرياضية بانتظام. فالرياضة توصف عادة لتحسين صحة القلب والتمثيل الغذائي، لكنها أثبتت أيضا فاعلية في دعم الصحة النفسية.

وقد أظهرت الدراسات أن التمارين الرياضية تساعد بالفعل في تقليل أعراض القلق والاكتئاب على المدى القصير والطويل. كما تسهم في تنظيم المزاج وتعزيز القدرة على التكيف مع الضغوط النفسية الحادة.

ورغم أن الشعور بالتحسن بعد التمرين قد يبدو تجربة شخصية، فإن تأثير الرياضة على الحالة النفسية يمكن قياسه علميا على المستوى البيوكيميائي داخل الجسم.

ظاهرة “نشوة العدّائين”

ربما سمع كثيرون بمصطلح “نشوة العدّائين”، وهو الشعور بالسعادة أو النشوة الذي يشعر به بعض الأشخاص بعد ممارسة الرياضة.

ويرجع هذا الشعور إلى زيادة إنتاج الجسم لمواد كيميائية معينة مثل الإندورفينات والإندوكانابينويدات، وهي هرمونات وجزيئات تساعد على تعزيز الشعور بالراحة والسعادة.

دور حمض التريبتوفان في تحسين المزاج

إلى جانب تلك المواد، يشير العلماء إلى وجود عنصر آخر مهم قد يفسّر تأثير الرياضة في المزاج، وهو حمض التريبتوفان.

التريبتوفان هو حمض أميني أساسي يحصل عليه الجسم من الغذاء، ويلعب أدوارًا مهمة عديدة في وظائف الجسم. ومن أبرز وظائفه أنه يساهم في إنتاج هرمون السيروتونين المعروف باسم “هرمون السعادة”.

لكن التريبتوفان يمكن أيضا أن يتحلل داخل الجسم لإنتاج مركبات مختلفة تؤثر بطرق متباينة في الدماغ والجسم.

مسار الكينورينين: جزيئات مفيدة وأخرى ضارة

المسار الرئيسي المسؤول عن تفكيك التريبتوفان يُعرف باسم “مسار الكينورينين”.

وينتج عن هذا المسار نوعان من المركبات:

مركبات مفيدة مثل حمض الكينورينيك، الذي قد يساهم في تقليل الالتهابات ويدعم صحة الدماغ.

مركبات أخرى قد تكون ضارة مثل حمض الكينولينيك، الذي يرتبط بزيادة الالتهاب وقد يكون له تأثيرات سامة على الخلايا العصبية.

وقد وجدت الأبحاث أن العديد من الأمراض المزمنة مثل الاكتئاب ومرض ألزهايمر وبعض أنواع السرطان ترتبط بارتفاع مستويات المركبات الضارة الناتجة عن هذا المسار.

كيف تغيّر الرياضة هذا المسار الكيميائي؟

بسبب العلاقة بين التريبتوفان والصحة النفسية والأمراض العصبية، بدأ الباحثون في دراسة طرق يمكن من خلالها تعزيز إنتاج المركبات المفيدة وتقليل المركبات الضارة.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن التمارين الرياضية تلعب دورًا مهمًا في تنظيم هذا المسار، حيث تعمل كـ “مفتاح” يوجه الجسم نحو إنتاج الجزيئات الأكثر فائدة للدماغ.نتائج فورية بعد ممارسة التمارين

أظهرت الدراسات أن التمارين الرياضية يمكن أن تؤدي إلى زيادة مباشرة في مستويات الجزيئات الواقية للدماغ مثل حمض الكينورينيك. وقد تم قياس هذه التغيرات في الدم والعضلات بعد ممارسة التمارين.

وسُجلت هذه التأثيرات الإيجابية بعد عدة أنواع من التمارين، مثل:

ركوب الدراجات لمسافات طويلة

تمارين رفع الأثقال

التمارين عالية الكثافة (HIIT)

كما لوحظت فوائد مشابهة لدى أشخاص يعانون من حالات أيضية إضافية مثل السكري من النوع الثاني، حيث تحسنت لديهم مستويات نواتج التريبتوفان بعد جلسة تمرين واحدة فقط.

فوائد لجميع الفئات العمرية

تشير النتائج أيضًا إلى أن هذه التحسينات تحدث لدى مختلف الفئات العمرية، ما يعني أن فوائد التمارين الرياضية على كيمياء الدماغ لا تقتصر على فئة عمرية محددة، بل يمكن أن يستفيد منها الشباب وكبار السن على حد سواء.

ورغم أن معظم الدراسات أجريت في المختبر باستخدام تمارين منظمة مثل ركوب الدراجات أو تمارين المقاومة، فإن زيادة النشاط البدني بشكل عام يبدو كافيًا لتحسين هذا التوازن الكيميائي في الجسم.

الرياضة كعامل أساسي لتحسين الصحة النفسية

رغم أن الأبحاث في هذا المجال ما تزال مستمرة لفهم الآليات الدقيقة لهذه التغيرات على المستوى الجزيئي، فإن الأدلة الحالية تشير بوضوح إلى أن التمارين الرياضية تمثل أداة قوية لتحسين الصحة النفسية.

فالرياضة تساعد في:

تقليل التوتر والضغط النفسي

زيادة إنتاج هرمونات السعادة

تحسين التوازن الكيميائي في الدماغ

دعم القدرة على التكيف مع الضغوط

كما توفر التمارين فرصة لتغيير البيئة اليومية أو التفاعل الاجتماعي أو حتى الحصول على فترة قصيرة من الانشغال الإيجابي بعيدا عن الضغوط.

وقد تكون الأنشطة الجماعية مثل نوادي الجري أو الرياضات الجماعية وسيلة فعالة لتعزيز المزاج وتحسين الصحة النفسية في الوقت نفسه.

في النهاية، قد تبدو ممارسة الرياضة أحيانا أمرا صعبا، خاصة في الظروف الجوية الباردة أو عند الشعور بالإجهاد، لكن الأدلة العلمية تشير إلى أن الفوائد النفسية والجسدية التي تقدمها تستحق هذا الجهد. 


المصدر: The Conversation