دبلوماسية السماء المفتوحة الصينية ...
مقالات
دبلوماسية السماء المفتوحة الصينية ...
علي وطفي
2 شباط 2026 , 15:38 م


ما بين الأمنيات و الواقع ضاع المحللون بين عتب و خذلان أو تنديد . في السياسة اهم شيء ان تعرف مدى حدود قوتك والخط الذي يفصل عن التهور وفقدان كل ما قمت في بنائه للمستقبل، بعد فنزويلا و اليوم بما يدور في الكواليس حول إيران هناك من يؤكد إن الدبلوماسية و إستراتيجية الصين في الشرق الأوسط فشلت فشلا ذريعا ، بلا شك إن محاولات تغيير النظام في طهران سيؤثر على العلاقات الخارجية و الاستثمارات الصينية ، لكن الادعاء بالفشل الذريع لسياسة بكين هذا يبين عدم فهم كيف تفكر الصين و طبيعة دور إيران وأهميتها في إستراتيجية الصين في الشرق الاسيوي و الاوسط و في العلاقات الصينية الإيرانية الثنائية ، صحيح أن إيران بحاجة إلى الصين بينما لا تعتمد الصين على إيران حصريا و بشكل استراتيجي.

في ثمانينيات القرن الماضي، خلعت الصين عن جسدها عباءة الدبلوماسية الماوية و توقفت عن دعم القوى المعادية للغرب في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية ، و اتخذت موقف براغماتي يقوم على "عدم تصدير الماوية " من أجل إعادة بناء العلاقات مع الغرب قدر الإمكان و هو نهج يتناسب مع تراجع النزعة اليسارية والاهم تأمين احتياجات الصين التنموية العملية ، لذلك من الطبيعي ألا تكون إيران، التي اتخذت موقف مناهض للولايات المتحدة بعد انتصار الثورة 1979 وفرض عقوبات قاتلة امريكية عليها، ان تكون مرتكز أساسي للعلاقات مع الصين و مصالحها ، لأن هذه الأنظمة تبقى في مخاطر كبيرة وقد تنهار نتيجة تدخل أو انقلاب أمريكي تحت تأثير العقوبات ، لذلك ليست مناسبة للاستثمار الاستراتيجي الكبير و من جهة اخرى تحالفات الولايات المتحدة مع حكومات الشرق الأوسط تجعل التقارب المفرط مع إيران يضر حتما الاستراتيجية الدبلوماسية الصينية العامة ، و يؤدي إلى غضب قوى إقليمية و لا سيما دول الخليج العربي ، واضح العقل السياسي الصيني في أي شراكة استراتيجية يقوم على تقاسم الأدوار والمسؤوليات كأساس و قاعدة للتحالف و عادة يتحمل الطرف الأضعف نسبيا أو الأكثر عرضة للمخاطر الجزء الأكبر من احتمالات الحرب و المعارك مظهرا صلابة و قوة و كشريك موثوق حينها تلعب القوة العظمى في الخطوط الخلفية دورا حاسما في توفير الموارد الاستراتيجية والدعم الدبلوماسي وغيره ، بدلا من أن تحل مكانه وتخوض المعارك معه او بالمباشر.

اذا من هذا المبدأ إيران من بين المصالح الأساسية وليست الوحيدة الصين ، التي لن تتحمل المخاطر والتكاليف المباشرة للصراع نيابة عنها وعلى إيران أول الأمر أن تثبت قيمتها وقوتها بعد ان خسرت إيران "محور المقاومة"، الذي تخلت عنه في نهاية المطاف ثم أبدت قوة و جدارة و صلابة خلال العدوان المباشرة الأخير عليها وأيضا في محاولة الانقلاب واسقاط النظام عبر مظاهرات الداخل وهو بالفعل ما دفع حلفائها اليوم و اولهم بكين باعادة النظر وتقديم الدعم بكل اشكاله وصولا إلى مناورات عسكرية مشتركة صينية روسية إيرانية تجري اليوم ، عمليا في مواجهة الأسطول الأمريكي الذي يقترب من سواحل إيران وهو تغير هام في موقف واستراتيجية واستراتيجية الصين في الخليج نوع من التصعيد في وجه واشنطن .

كما أن ما يحدد النشاط الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط كون الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني، فإن هذا لا يظهر أهمية بكين كشريك استراتيجي بالنسبة لطهران وذلك من وجهة نظر بكين تكمن النقاط الأساسية في أن المصدرين الرئيسيين للنفط الخام الصيني هما السعودية و روسيا وبشكل دائم ، فإن ركزت الصين فقط على الأيديولوجية المعادية لأمريكا وتخلت عن خطط التنمية ، لما كانت لديها استراتيجيتها الشاملة الحالية للشرق الأوسط ، بل لوجدت نفسها ضمن "محور المقاومة" ومتورطة بلا نهاية في علاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، وفاتتها فرصة تنمية إمكاناتها في الخليج العربي وهو أيضا موقف الصين الثابت تجاه أمريكا اللاتينية ، فهي لا تكتفي بالتعامل مع الأنظمة المعادية لأمريكا، بل تسعى أيضا إلى بناء علاقات ودية مع دول أخرى في المنطقة علاوة على ذلك ونظرا لاعتبارات المخاطر، غالبا ما تكون الأولوية للعلاقات الودية .

سوء فهم أقله في التفكير الجيوسياسي لمن يعتقد أنه في سياق التنافس الصيني الأمريكي يجب على الصين تحمل مسؤولية بقاء جميع الأنظمة المعادية لأمريكا و لذلك لن تعارض الصين جميع دول المنطقة من اجل إيران، ولم تشتبك مع الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية من أجل مادورو لأن هذه الأحداث متفق عليها منذ البداية وفي نهاية المطاف ، تتسم دبلوماسية القوى العظمى بالتعقيد في سياقها التاريخي، كما أنها تتطلب الاستجابة لواقع البيئة المتغيرة. لطالما شكلت الدبلوماسية الثورية ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الصينية ، إلا أنها لا تستطيع الصمود أمام التعقيدات الجيوسياسية الراهنة فإن هذا لا يعني أن الصين يمكنها الاكتفاء بشريك واحد ، إلا أن رد الصين يتسم بالبراغماتية والتوجه القانوني اللافت وتلعب بكين حاليا لعبة دبلوماسية معقدة وقد أوضحت أن مصلحتها الأساسية لا تكمن في إعادة مادورو، بل في الحفاظ على نظام دولي مستقر تبقى فيه السيادة القيمة الجوهرية وقد أعربت بكين بالفعل عن استعدادها للتعاون مع الإدارة المؤقتة في فنزويلا شريطة أن تتم الفترة الانتقالية وفقا للقانون المحلي.

اذا الصين هدفها الاستمرارية و سداد الديون و سيادة القانون أكثر من اهتمامها بالمواجهة الأيديولوجية و تقدم الصين نفسها كمدافعة عن ميثاق الأمم المتحدة و بالنسبة للعديد من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا، وحتى أمريكا اللاتينية و إصرار الصين على عدم التدخل في النور الداخلية البلدان يمثل نقيضا جذابا لتقلبات القوة الأمريكية و الأهم من ذلك، كان رد الصين رغبة في تجنب تصعيد الصراع مع الولايات المتحدة. فعلى الرغم من التهديد ب "الهيمنة"، لم تفرض أي عقوبات انتقامية أو تتخذ أي إجراءات عسكرية. و بدلاً من ذلك يبقى التركيز على سلامة الصينيين وضمان استمرار صادرات النفط دون انقطاع ومن خلال تعزيز الحوار في إطار الدستور الفنزويلي، تقدم الصين مسار نحو الاستقرار يمكن أن يتوافق مع أهداف واشنطن وتحقيق النظام الإقليمي، حتى وإن اختلفت القوتان حول الطريقة.

إذا كانت الولايات المتحدة تنوي "إدارة" فنزويلا و احتياطياتها النفطية، كما ألمح البيت الأبيض، يتعين عليها في نهاية المطاف الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع أكبر دائن لكاراكاس في وعندما يحين ذلك الوقت، قد تجد واشنطن أن الصين البراغماتية ، التي تركز على الأطر القانونية و الاستقرار الاقتصادي، شريك أكثر فائدة.

كانت عملية كاراكاس استعراضنا للقوة الأمريكية الصلبة، لكن من المرجح أن تصبح الأسابيع التالية درسا في القوة الصينية الناعمة. و لم يتأخر ترامب بالتأكيد ان : بإمكان الصين شراء أي كمية من النفط منا، سواء من فنزويلا أو أمريكا ولو ان الصين ستخسر خصوماتها على النفط الفنزويلي بسبب مخاطر العقوبات، إلا أن المستوردين الصينيين قد يستفيدون من التدخل الأمريكي حيث ستعفى الصين من عبء الاستثمار في إنعاش قطاع النفط الفنزويلي، الذي تضرر بشدة جراء سنوات من الفساد وسوء الإدارة ونقص الاستثمار و تستمر الصين في شراء النفط الفنزويلي بشكل أكثر شفافية ، دون الحاجة إلى إجراءات معقدة ، اذا تحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر من الاستثمارات الجديدة و أعادت النظام و رفعت الإنتاج ، فقد يؤدي ذلك فعليا إلى زيادة واردات الصين من النفط الفنزويلي ، كما ستستفيد شركات النفط الأمريكية من زيادة الإنتاج وانتعاش القطاع.

كيف يمكن للصين أن تساهم في تشكيل النظام العالمي الجديد؟

يقول تشنغ يونان، عميد كلية السياسة العامة، الجامعة الصينية في هونغ كونغ

أولا- يجب على الصين أن تعارض بشدة تقسيم العالم ففي الماضي، كانت الصين نفسها ضحية لمثل هذه الممارسات، و لا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم.

ثانيا ، لا ينبغي للصين أن تكون مرتبطة بأي قوة عظمى ، فبعد الأزمة الأوكرانية، بات ينظر إلى الصين بشكل متزايد على أنها حليف لروسيا وفي المستقبل قد تواجه الصين ضغوطً أخلاقية للتصرف مدافعة عن النظام المنهار، بدلا من ذلك ، ينبغي لها أن تؤكد على مسارها المستقل، مع دعم منظومة الأمم المتحدة حيثما يخدم ذلك المصالح العالمية.

ثالثا- ينبغي للصين أن توضح أن تايوان و بحر الصين الجنوبي هما من مخلفات النظام القديم، ويجب القضاء عليهما قضية تايوان هي نتاج الاستعمار ومسألة سيادة وليست مسألة جيوسياسيا وكان ينبغي حلها فور انتهاء الحرب العالمية الثانية.

رابعا- يجب علينا الاستمرار في تعزيز العولمة و الانفتاح الذي يجلب الازدهار، و العزلة تولد الفقر، بينما تتجه القوى العظمى الأخرى نحو الانعزالية و تلجأ إلى القومية الاقتصادية و الحمائية، أصبحت الصين من أشد الداعمين للعولمة.

خامساً- ينبغي لنا تعزيز مفهوم "الإمبراطورية السماوية " وهو رؤية عالمية و مجتمع ذو مصير مشترك للبشرية يؤكد التراث الصيني، القائم على فكرة "دا تونغ" (الوحدة العظمى)، على المسؤولية التي تتجاوز المصالح الذاتية.