منذ ما يقرب من نصف قرن، وتحديداً منذ 47 عامًا، ومع قيام الـ.ـثورة الإسـلا مـية، تخوض إيران حــرباً دفاعيةً لم تتوقف بأشكالها المختلفة، عبر حــرب الدعايات المستمرة منذ النشأة إلى اليوم، وحــ..ــرب الاستنزاف مع الجار العراقي بدعم أميركي وخليجي، مروراً بحــ..ــرب الحــ..ــصـ.ـار والعقوبات، وصولاً إلى الحـربِ العسكرية الـعـ.ـدوانيةِ المباشرةِ مع الـعدوِّ "الإسرائيلي" والأميركي، وظلت الجمهوريةُ شامخةً ومحافِظةً على مَدِّها الـثـورِيّ، ولم تخضعْ للتَّرَهُّل ِ المعتادِ في التاريخ، حينما وصلت الثوراتُ إلى السلطة ومكثت بها وشاخت.
وقد اِستندَ الصمودُ الإيرانيُّ إلى أُسُسٍ صلبةٍ من القوى الناعمة والخشنة، وأهمُّها الـقيادةُ الحكيمةُ الشجاعةُ التي استوعبتْ دروسَ التاريخِ وسُنَنَه، وتَرْجَمَتْ دروسَهُ المُستَفادَةُ إلى سياساتٍ وإستراتيجياتٍ كَفَلَتْ هذا الصمودَ وحوّلتِ التحدياتِ إلى دوافع، والتهـ..ـديداتِ إلى فرص، لتصبحَ ثورةً فريدةً بوجهِها السياسي والدبلوماسي، وسلطةَ حُكمٍ فريدةً بِوَجْهِها الـثـَّ.ـوري.
ومع هذا الحشد الاستعماري والتهديد الأكبر الذي تواجهه الجمهورية الإسلامـية، والذي يترقبه العالم بين خائف من التداعيات والارتدادات، وبين قلق على قبلة المقــاومة وخط دفاعها الأكبر، وبين شامت ومنتظر ليرى هزيمتها ونهايتها، تبدو عدة أوراق مختلطة، مصدرها الدمج بين تهديد إيران والتهديد باغتيال القائد السـيـد الخامنئي، وهو ما يحتاج لفصل الأوراق وبيان خطأ التقديرات، أيضاً يبدو أن هناك نوعاً من الاستهانة بقوة إيران ومقارنتها بنماذج أخرى لم تصمد أمام البلطجة الأميركية والحـصـار، وهو ما يتطلب أيضاً بعض الشروحات والتفنيد.
وهنا يمكن تناول هذه الإيضاحات عبر العناوين المختصرة تالياً:
-معادلة المساس بالسـ.ـيـ..ـد الخامنئي ليست سياسية أو عسـ.ـكرية:
السـ.ـيـ..ـد القائد الخامنئي ليس مجرد شخصية سياسية أو قائد تاريخي ولكنه شخصية عالمية ومرجعية دينية وولي فقيه، وبالتالي معادلة استـ..ـهدافه لا تخضع للمعادلات السياسية والأمنية كاستـ..ـهداف قادة الدول أو زعماء الحركات الوطنية، بل تضم إلى جانب هذه المعادلة (وهي ليست هينة في ذاتها) معادلة أخرى، وهي معادلة الحرب الدينية، حيث تتخطّى الولاءاتُ للسيد الخامنئي حدودَ إيران الجغرافية، وربما هذا الأمر يطلّبُ مراجعةً دقيقةً من قِبَل ِ مُجرِمي أميركا والصهاينة، لِيَعرفوا أبعادَهُ بدقة، قبل الإقدامِ على هذه الحماقة والتفكيرِ بها.
-أسبابُ استـ..ـهدافِ إيران هي نفسُها عواملُ صمودِها وانـتـــصـارها:
لعلَّ استقلاليةً إيرانَ وتصدِّيَها لمقــاومةِ الاستعمارِ وقِوى الاستكبارِ، ومناصرتَها للمُستَضعَفينَ وتوصيفَها لأميركا بالشيطان ِ الأكبرِ، منذُ اليومِ الأول ِ لِثوْرَتِها، هو الذي وضعها في لوحة النِّيشان ِ الأميركية والصهيونـية، وكذلك في لوحةِ نيشانِ الأنظمةِ الرجعيةِ والمَلكِياتِ العربية، ولكن هذه الأسباب هي التي كفَلَتْ لها صمودَها، لِأنّها أَمَدّتْ إيرانَ بالروحِ القِتاليةِ، وبِالاعتِمادِ على الذات،كما فجَّرتِ الطاقاتِ الحضاريةِ الكامنة في الشعبِ الإيرانيّ، كما أنَّ صلابةَ العقيدةِ الحسينيةِ التي وجَّهَتها لهذا المسلك، هي نفسُها التي مكنتها من الصمود ورفض التخييرِ بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّة، ورفعت شعارَ "هيهاتِ مِنّا الذِّلّة" وترجمتْهُ دِبلوماسياً وعسـ.ـكرياً وسياسياً في كافة المجالات.
-القوّة الخشنة الإيرانية:
تمتلك إيران قوة بشرية هائلة، والتفافاً شعبياً كبيرا حول القيادة، عبّر عن نفْسِهِ أكثرَ من مرةٍ في المواقفِ الحاسمة، ووجدناهُ في حــ..ــربِ حزيران/يونيو الماضية مع الـعـدوّ "الإســـ..ـرائيـلي" والأميركي، حيثُ ذابتِ التَّمايُزاتُ والتنوُّعاتُ الثقافيةُ والسياسيةُ والعِرقيةُ، والتحمَ الشعبُ دِفاعاً عن كرامةِ بلادِهِ، والتَفّ حولَ السـ.ـيـ..ـدِ القائد الخامنئيِّ، كرمزٍ لهذهِ الكرامةِ الوطنية، كما رأيناهُ في الــثورةِ الملونةِ والهـجــمةِ الإرهــابيةِ الأخيرة، عندما خرج ملايينُ الإيرانيينَ، لِدَعْمِ الـقيادة وأحبَطَتِ المؤامرةَ الكبرى التي حاولتِ اِستِغلالَ بعضَ الاحتِجاجاتِ، لإحداثِ الفوضى وخلْط ِ الأوراق.
ثُمَّ إنَّ إيرانَ تمتلك اقتصاداً مقــاوماً يَكْفُلُ لها الِاكْتِفاءَ الذاتِيَّ في عِدّةِ مجالاتٍ رئيسيةٍ، وتقليل الاعتماد على النفط المحاصر،كما أنَّ التصنيعَ الوطني للأسلحةِ
والصـ.ـواريخ ِ والطا ئراتِ المسيّرة، وهو ما يكْفُلُ لإيرانَ الصمودَ وعدمَ الارتهانِ لِلخارج.
وبِخصوصِ السلاحِ والرَّدع، فإنَّ إيرانَ دَشَّنِت إستراتيجيةً عُظْمى لِلْحــــربِ غيرِ المُتَماثِلَةِ، بالتركيزِ على صناعةِ الصـ.ـو اريخِ الباليستيةِ والطا ئراتِ المُسَــيَّرةِ والتي أثبَتَتْ قُدرتَها على الرد؛ ويكفي دليلاً على ذلك أنَّ الهَـجْـ.ـمةَ الاستعماريةَ الكبرى تَطلبُ أن يكونَ التفاوِضُ على هذه الصـ.ـو اريخ، وعلى المشروع ِالنوويِّ الإيرانِيّ، كبَنْدَيْن ِ رئيسِيَّيْن ِ في التفاوض.
وبخصوصِ المشروعِ النوويِّ، فإنَّهُ حَقٌّ أصيلٌ للجمهوريةِ الإسـ..ـلا مـيةِ ولكلِّ دولةٍ أن تُقيمَ مشروعَها النوويَّ السّلْمِيً، وقد أصبح رمزًا للسيادة، وهو خيرُ مِصداقٍ لِازدِواجيةِ معاييرِالمجتمع الدوليِّ الذي يسعى لِإجهاضِ مشروع ٍ نوويٍّ سِلمِيّ، ويتغافلُ عنِ المشروعِ النوويّ العسـ.ـكرِيّ والأسلحـ.ـةِ والقنابلِ النوويةِ الصهيونية.
وعسـ.ـكرياً، تمتلكُ إيرانُ جغرافياً مناعةً وعُمقاً إستراتيجيًا كبيرًا وجيشًا وحرسًا ثوريًّا وقوات للباسيج، وكلُّ ذلكَ قِوامٌ عســكريٌّ وأمنيٌّ عَصِي على التفكك والانشقاق وتجمعه عقيدة صلبة وولاء مقدس للقائد والولي الفقيه.
-القوّة الناعمة والنموذج الإيراني الملهم:
وقد مكنت خيارات الجمهورية الإسـ..ـلا مـية وصلابتُها وثباتُها طوال العقود الماضية، في الحفاظ على النهج الـثـ.ـوري رغم اختبارات الاغراءات والتهـ..ـديدات، من تشكّل نموذج ثوري ملهم، أصبح قِبلةً لِقِوى المقــاومةِ والتحررِ الوطني في جميع انحاء العالم، حتّى أصبحَ التَّخَلِّي عن دعمِ المقــاومةِ وحركاتِها على رأسِ البنودِ التَّفاوُضيةِ التي تُطالبُ أميركا بإدراجِهِ على جدولِ التفاضِ، مِثلُهُ مثلُ بَنْدِيْ المشروعِ النوويِّ والبرنامجِ الصاروخِيّ.
-الحقوق الإيرانية المشروعة:
إيرانُ دولةٌ ذاتُ حقوق ٍ مشروعةٍ، وهي ترفعُ رايةَ الحقِّ في السيادةِ الوطنيةِ وفي حمايةِ المُسْتَضْعَفِينَ ومواجهةِ الاستعمارِ، ومَدِّ يدِ التعاونِ معَ الجِوارِ ومعَ الأشقاءِ العربِ والمسلمين، وقد دَلَّلَتْ على ذلكَ طويلاً، وأثبتَتْ مصداقِيَّتَها، وهذه الحقوق تُشَكِّلُ نقطةَ قوةِ أيِّ دولةٍ، لأنَّها أولًا، غيرُ قابلةٍ لِلتّفاوضِ والتنازُل ِ والمساومة.
وثانيًا، لِأنَّها تُمِدُّ القادةَ والشعبَ بالرُّوح ِ القِتاليةِ والتحدِّي والصَّبرِ، وتُعْطِي القُدسيَّةَلِلصِّراع ِمَعَ أميركا والصّهاينة.
- المأزق الأميركي:
لقد خلقَ ترامب ونتنياهو مأزقاً حقيقياً لِأميركا، بعد هذه التهـديدات وهذا الـ.ـحشد، ووضعها بَيْنَ خِيَارَيْن ِ: إمّا النُّزُولُ عَنِ الشجرةِ والتَّراجُع، وهوَ انـتـــصـارٌ كبيرٌ لإيران، وهــــزيمةٌ إستراتيجيةٌ لِأَميركا؛ وإمَّا المِضِيُّ في الـعـدوان ِ، وتَحمُّلِ كلفتِهِ الباهظةِ جِدّاً وتداعياته، وفي هذا مُجازفةٌ مصيرِيّةٌ كُبرى يُحَذِّرُمِنْها كبارُالقادة والجنرالات الأميركيين، وعلى رأسِهِمُ الجنرال ماكينزي، القائدُ السابقُ لِلْقِيادَةِ المركزيةِ الأميركيةِ الوُسطى، في ورقةٍ هامة، عِندما حَذَّرَ من الثالوث الإيراني غَيرِ المأهول، وهو يقصُدُ الصواريخَ الباليستيةَ وصـ.ـو اريخَ كروز، وأسطولَ الطا ئراتِ المســيّرة.
إضافةً إلى أنَّ إيرانَ عطّلتْ ورقةَ التَّمْيِيع ِ المُتَمَثِّلَةَ،في حَرْبٍ مَحدودة، بل أعلنتْ أنَّها معركةٌ كُبرى سَيَنْتُجُ عنها استِهدافُ الكــيانِ الصهـيونِيِّ والقواعدِ الأميركيةِ المنتشرةِ في المنطقة، وباختصار، فإنَّ هذا يعني:إمَّا احترامُ إيران. أو الحربُ الشاملةُ الكبرى.
وأيّاً كانتِ الخياراتُ الأميركيةُ، فالثابتُ أنَّنا أمامَ موقفٍ مُشَرِّفٍ لِإيرانَ ولِجميع ِ قوى المقــاومةِ صاحبةِ الحقِّ في الوجود في أرضها، وفي الحُرّيّةِ والدّفاع ِعنِ البلدِ والنفس
والّتي لمْ ترضخْ،ولَنْ ترضخَ لِأَقْوى حَشْدٍ عَسـْ.ـكَرِيٍّ شيطانيّ،وأعلنت ِالتّصدِّيَ والمواجهةَ بشجاعة، ومن يخشى الآن هو الدولُ التابعةُ لِأميرِكا،وعلى رأسِها الـكِـيانُ الصهـــيونــيُّ والممالِكُ التي شكَّلَتِ التحالُفَ الِاستِخباراتِيَّ والدِّرعَ الصّارُوخِيَّ الإقلِيميَّ الَّذي أعلنَ عنه الأميركيُّ في 13 يناير الماضي، والمُكَوَّنَ مِنْ 17 "دولةً" لم يُعلِنْ أسماءَها، ومؤكدٌ أنَّ مِنها الآن من يُنافِقُ، ويَتَظـاهرُ بِرَفْضِهِ لِلْحربِ على إيران!
إنَّ إيرانَ ذاتَ القُوّتَيْنِ: الناعمةِ والخشنة،وقائدَها ذا القُوَّتَيْن ِ: الإستراتيجيةِ والإمانيّةِ الدينية، إيرانُ هذه،لن ولن تكونَ لُقْمَةً سائغةً، وعلى أساسِ هذه المُواجهة يَتَحدَّدُ مُستقبلُ النظامِ العالَمِيِّ ومساراتُه.