كتب الأستاذ حسن عماشا:
مقالات
كتب الأستاذ حسن عماشا: "المرحلةُ، الآنَ، تتطلّبُ تغييرَ الخطابِ السياسيِّ المقاوِم".
حسن عماشا
6 شباط 2026 , 05:31 ص

في إشكاليةِ التوصيفِ للواقع السياسِيِّ في لبنان، فإنَّ العقلَ اللبنانِيَّ الكِيانيَّ الذي احترفَ النِّفاقَ والتضليل،بمعزلٍ عن النوايا والرغبات، لم يسمح أن تكونَ في الكيانِ اللبناني، منذُ تكوينِه، رؤيةٌ واحدةٌ تجاهَ أيٍّ من الثوابتِ والبديهياتِ التي تقوم عليها الدُّوَلُ الطبيعية؛ حيث لا يكون اختلافٌ في الهويةِ والتاريخ، ولا حتى في الحدود السياديةِ على الحَيِّزِ الجِغرافِيِّ(الأرض)، وهذا جوهرُ الاختلافِ بين المكوِّناتِ السياسيةِ والطائفيةِ اللبنانية.

وهذا الاختلافُ كان دائماً حاضراً، بَدْءاً من تعيينِ حاجبٍ، وصولاً إلى تكوينِ السلطاتِ فيه.

فالخطاب السياسي للسُّلطةِ يختلفُ تِبعاً لموازينِ القِوى الإقليميةِ والدولية، الّتي تنعكسُ في طبيعةِ السلطة.

ومن هنا،فإنَّ أيَّ مُقاربةٍ للسلطةِ ومواقفِها وسلوكِها، باعتبارها قاصرةً أو خاطئة، هي بأحسنِ النوايا، وهمٌ، وفي آثارِها نفاقٌ وتضليل،بِغَضِّ النَّظَرِعن الأدبياتِ السياسيةِ والإنشائية.

إنَّ هذا الانقسامَ يُمكِنُ وضعُهُ، عموماً، بين اتِّجاهَيْنِ رئيسيَّيْنِ : الأولُ، يتماهى تماماً مع قِوى الهيمنةِ والِاستِعمار، ويُعطي للكيانِ اللبنانيِّ هُوِيَّةً وعقيدةً يجعلهما مِقياساً للولاءِ، ويُحَدِّدُ، على أساسِه، مَنْ هوَ اللبنانيُّ، ومن هو ناقصُ الوطنيةِ، أو عديمُ الولاءِ لِلْكِيان، من دونِ النظرِ إلى جذورِ هذه الشريحةِ الإجتماعيةِ أوتلك، وتاريخِها.

و هذا الاتجاهُ يَعتَبِرُ أنَّ ما لَهُ هو له،من أبسطِ المسائلِ وصولاً إلى أكبرِها، وأنّ ما لِلآخَرينَ لَهُ ولَهُم، تحتَ سقفِ الخضوعِ والولاءِ لِتَوَجُّهاتِهِ وخِياراتِه.

والإتجاهُ الثاني،مَسْكونٌ بهاجِسِ الشراكةِ والْمُساواة؛وهومن حجرِ الزاويةِهذا، يَتَبَنَّى رُّؤىً وسَّردياتٍ تحكمُ كُلَّ لُغَتِهِ وأدبِيّاتهِ، من دونِ مقاربةِ التناقُضِ الحقيقي القائم، وبناء المواقف على أساسها.

وفي أيامنا هذه، حيث بلغ فجورُ أصحابِ الِاتّجاهِ الأوّلِ ذِرْوَتَه، وتمادى بِالسلوكِ المُتماهي مع قوى الاستعمارِ، وربيبِها الكيانِ الغاصب الصهيونيِّ،متجاوزاً كلَّ التشريعاتِ والقوانينِ والأخلاقِ التي وضعَها هو نَفْسُه، و لم يَعُدِ الخطابُ السياسيُّ الموروثُ والسائدُ، في أوساطِ أصحابِ الِاتِّجاه الثاني التّحرُّريِّ المُقاوِم، الذي يعملُ بموجبِ "وَطَنِيَّتِهِ وتَحَرُّرِيَّتِه"،والمُتْرَفِ في أدبياتِهِ وسلوكياتِه، من وجهةِ نظرِ أصحاب الِاتّجاه الأوّل، إلا تعبيراً عن وَهْنٍ وعَجْزٍ، تجاهَ الفُجُورِ والتَّصَهْيُن، بل و مُشَجِّعاً لهُ على الفجورِ أكثرَ، ومُعزِّزاً لِأوهامِ هذا الفريق،بالرهانِ على قوةِ الهيمنةِ والكيانِ الصهيونيِّ، ولو كانَ هذا الفريقُ يَمْتَلِكُ القوةَ الداخليةَ،لما تأخَّرَ لحظةً في المغامرةِ بحربٍ أهليةٍ، لَعَلَّهُ بذلِكَ يَحْظَى بِرِضى أسيادِهِ، قوى الاستعمارِ والهيمنةِ وأوليائهم، إذا أثْبَتَ لهم جدارتَهُ بأنْ يكونَ وكيلَهُم المؤهَّلَ لِيَلعبَ الدورَ المنوطَ بهِ في مواجهةِقِوَى التَّحَرُّر.

وما تحتاجُهُ قِوى المُقاومةٍ التي تخوضُ، في هذهِ المرحلةِ حرباً وجوديةً، مع قوى الاستعمارِ والهيمنةِ مباشرة، ما تحتاجُهُ هو خطابٌ سياسيٌّ، في مُستوى التحدِّياتِ الَّتي تُواجِهُها، و برامجَ وخِطَطاً سياسيةً تستقطِبُ كثيراً من اللبنانيينَ، من كافّةِ الفِئاتِ الاِجتماعيةِ الذينَ يَرَونَ التَّهْدِيدَ الوجودِيَّ لهم، ليس من قوى المُباشَرَة،وإنّما من طبيعةِ القوى الداخليةِ التي طالما غامَرَتْ وتُغامِرُ بِمَصيرِهِم، وقد تسبَّبَتْ لهم بِالكثير من الخرابِ والتهجيرِ والتضحياتِ الجسيمة.

خطابٌ لا يكونُ على أساسِ رَدِّ فِعلٍ طائِفِيٍّ، من جهة، ولا يُؤدّي إلى تعزيزِ الأوهام، باعتبارِ القوى السياسيةِ السائدةِ في السلطةِ اليومَ ورموزِها، مُجرَّدَ قاصِرينَ، أو ضُعفاءَ عاجزين لا يُحسِنونَ استثمارَ"أَوراقِ القُوّةِ"، ومواقفُهم منَ المُقاومة هي خِياراتُهُم، وهم العاملون، ليلَ نهارَ، على إنكارِها والتَّخَلُّصِ مِنْها، بل وعَدِّها البلاءَ الأساسَ الذي جرَّ على لبنانَ الوَيْلاتِ .