بين التفاوض والتصعيد: واشنطن وطهران على حافة التفاوض … ونتنياهو في قلب المعادلة
مقالات
بين التفاوض والتصعيد: واشنطن وطهران على حافة التفاوض … ونتنياهو في قلب المعادلة
وائل المولى
13 شباط 2026 , 00:03 ص

‏في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع مسارات تبدو متناقضة ظاهريا لكنها في العمق تعكس صراعا واحدا مفتوحا على كل الاحتمالات. هناك مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران تتحرك ببطء عبر الوسطاء، وتصعيد إسرائيلي يحاول تضييق هامش أي تفاهم، وقرارات داخلية إيرانية تحمل إشارات تهدئة محسوبة. وبين هذه الخطوط المتشابكة، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام مرحلة ما قبل الاتفاق أم ما قبل الحرب؟

‏التصريحات الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإيرانية في الأيام الأخيرة لم تأتِ في سياق دعائي عابر، بل كجزء من بناء معادلة ردع واضحة. القوات المسلحة أكدت استعدادها للرد الشامل والحازم على أي اعتداء، فيما شدّد قائد سلاح الجو على أن تجربة المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة أسهمت في إعادة بناء القدرات وتعزيز الجاهزية. في الوقت نفسه، أعلن وزير الخارجية الإيراني أن طهران تدخل ميدان الدبلوماسية بثقة أكبر مستندة إلى قوة عسكرية متماسكة. هذا التوازي بين الخطاب العسكري والانفتاح الدبلوماسي يعكس منهجا إيرانيا معروفا يقوم على التفاوض من موقع القوة لا من موقع الدفاع، وتثبيت معادلة مفادها أن أي حوار لا يمكن أن يتم تحت التهديد، بل تحت توازن الردع.

‏في الداخل الإيراني، جاء قرار المرشد الأعلى السيد  علي الخامنئي بالموافقة على عفو أو تخفيف عقوبات لآلاف المحكومين بالتزامن مع ذكرى انتصار الثورة، وهو تقليد سياسي متكرر، لكنه في هذا التوقيت يكتسب دلالات أوسع. القرار يُقرأ كخطوة تهدئة داخلية في لحظة توتر إقليمي مرتفع، وكإشارة إلى ثقة النظام باستقراره وقدرته على إدارة المرحلة المقبلة. لا يوجد ما يؤكد أن العفو جزء من تفاهم مع واشنطن، لكنه ينسجم مع نمط معروف في إدارة الأزمات تهدئة الداخل قبل الدخول في مراحل تفاوض حساسة، وإظهار صورة دولة مستقرة لا تتصرف تحت الضغط.

‏في الخلفية، تدور محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء، مع ميل أميركي إلى حصر النقاش بالملف النووي، وهو ما تفضله طهران أيضًا لتجنب توسيع المفاوضات إلى ملفات النفوذ الإقليمي. هذه المحادثات لا تعني أن اتفاقا وشيكا قد نضج، بل تعكس محاولة متبادلة لتفادي الانفجار العسكري وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. ما يجري حتى الآن أقرب إلى اختبار نيات وتبادل رسائل منه إلى مسار اتفاق نهائي.

‏وسط هذا المشهد، يأتي لقاء بنيامين نتنياهو وترامب في واشنطن بوصفها عامل ضغط إضافي. نتنياهو يدرك أن أي تفاهم أميركي-إيراني، حتى لو كان محدودا، سيقيد قدرة إسرائيل على فرض خيار المواجهة. لذلك يسعى إلى دفع الإدارة الأميركية نحو تشديد الضغط على طهران، أو على الأقل منع أي مرونة قد تفتح الباب أمام اتفاق مؤقت. التحذيرات التي صدرت من شخصيات إيرانية بأن الزيارة الهدف منها التوجه نحو أزمة تعكس إدراكا في طهران بأن تل أبيب تحاول التأثير في القرار الأميركي ومنع أي مسار تفاوضي قد يخفف منسوب التوتر.

‏يبقى العامل الحاسم في واشنطن. دونالد ترامب، بطبيعته السياسية، يميل إلى سياسة الضغط الأقصى لكنه في الوقت نفسه يفضّل الصفقات التي يمكن تسويقها داخليا بوصفها إنجازا. هو لا يريد حربا شاملة مكلفة في الشرق الأوسط، لكنه أيضًا لا يريد أن يظهر بمظهر من يقدّم تنازلات لإيران. لذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تمشي على حافة دقيقة إبقاء التهديد العسكري حاضرا، مع ترك الباب مواربا أمام تفاهم محدود يجمّد التصعيد من دون أن يمنح طهران انتصارا واضحا وهذا ماظهر في تصريحاته الأخيرة بعد لقائه مع نتنياهو .

‏المنطقة اليوم تقف في مساحة رمادية تتداخل فيها إشارات التهدئة مع مؤشرات التصعيد. إيران ترفع مستوى الجاهزية والردع بالتوازي مع الانخراط في مسار دبلوماسي محسوب، إسرائيل تحاول دفع واشنطن نحو تشديد المواجهة ومنع أي تفاهم، والولايات المتحدة تحاول إدارة التوتر دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. لا توجد حتى الآن صفقة نهائية، ولا قرار حرب وشيك، بل صراع إرادات مفتوح على احتمالات متعددة. ما يجري ليس حسما بقدر ما هو إدارة للأزمة على حافة الانفجار، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة.

‏في هذه اللحظة الدقيقة، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك على احتمالين أساسيين وهما تفاهم مؤقت يجمّد الصراع ويؤجل المواجهة، أو خطأ حسابي يشعل مواجهة لا يريدها أحد لكن الجميع يستعد لها. وبين هذين الاحتمالين، يستمر المشهد في التشكل، فيما يبقى الشرق الأوسط معلّقا على خيط رفيع بين الدبلوماسية والنار.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري