جنوب الليطاني .. مشروع ضمّ صامت يُنفّذ بالنار ..!
مقالات
جنوب الليطاني .. مشروع ضمّ صامت يُنفّذ بالنار ..!
عباس المعلم
14 شباط 2026 , 12:29 م


بقلم ( عباس المعلم )

ما يجري في جنوب الليطاني لم يعد يُقرأ كعملية عسكرية ظرفية أو كإجراء أمني محدود. نحن أمام مسار تراكمي، واضح المعالم، يستند إلى جذور فكرية قديمة ويتجسّد اليوم في وقائع ميدانية يومية: تدمير منهجي، تفجير منازل، منع إعادة إعمار، ومحاولات فرض حضور مدني استيطاني تحت عناوين دينية وتاريخية.

ليست هذه صدفة. ففي مذكرات دافيد بن غوريون، يظهر الليطاني بوصفه أكثر من نهر؛ إنه عنصر حيوي في تصور “الدولة القابلة للحياة” وحدودها الطبيعية. الحديث لم يكن عابرًا عن المياه والعمق الاستراتيجي، بل عن مجال حيوي يتجاوز الخطوط المرسومة على الورق. ورغم أن الضم لم يُعلن رسميًا يومًا، فإن الفكرة ظلت كامنة في العقل الأمني الإسرائيلي.

وقد أشار (كتاب المتاهة اللبنانية) الذي يتحدث عن مذكرات بن غوريون إلى أن الجنوب اللبناني لم يكن يومًا خارج الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، وأن نهر الليطاني ظل عنصر جذب دائم، سواء لاعتبارات مائية أو كحد أمني “أفضل” من الحدود الدولية القائمة.

حين تُدمَّر القرى بشكل متكرر، وتُفجَّر المنازل التي يسكنها الأهالي يوميًا، وتُمنع أعمال الترميم أو إعادة الإعمار، لا يعود الأمر مرتبطًا بردّ عسكري على تهديد محدد. التدمير هنا يتحول إلى أداة سياسية: إعادة تشكيل الجغرافيا عبر تفريغها من سكانها.

المنطقة العازلة في المفهوم العسكري تُنشأ لامتصاص الصدمات. أما ما يحدث جنوب الليطاني فيتجاوز ذلك: هو خلق واقع يجعل الحياة مستحيلة، ودفع السكان إلى الرحيل القسري تحت ضغط النار والخوف وانعدام الأفق. هذا ليس ردعًا؛ هذا هندسة ديموغرافية بالقوة.

دخول مجموعات من المستوطنين إلى قرى حدودية لبنانية، وتنفيذ نشاطات تشجير أو زيارات رمزية تحت شعار “هذه أرضنا”، ليس تفصيلًا هامشيًا. في التجربة الإسرائيلية، غالبًا ما تبدأ مشاريع الضمّ بالرمز قبل القانون، وبالحضور المدني قبل القرار السياسي.

التشجير فعل رمزي بامتياز: غرس شجرة يعني إعلان ملكية رمزية للمكان. وعندما يُمارس هذا الفعل داخل أرض لبنانية معترف بها دوليًا، فإن الرسالة واضحة: نحن لا نتعامل مع هذه المساحة كأرض دولة أخرى، بل كأرض مفتوحة لإعادة التعريف.

التاريخ يقدم سابقة واضحة: عملية الليطاني 1978، الاجتياح عام 1982، ثم “الشريط الحدودي”. كانت الذريعة دائمًا أمنية. لكن الواقع كان سيطرة طويلة الأمد فرضت معادلة جديدة على الأرض.

اليوم، المشهد يتكرر بصيغة أكثر قسوة. الفرق أن الخطاب لا يزال يتحدث عن “إجراءات دفاعية”، فيما الوقائع تشير إلى ما هو أبعد: تدمير شامل، منع إعمار، اختبار حضور استيطاني، وخلق شريط منزوع الحياة جنوب الليطاني.

الضمّ لا يبدأ بقرار في الكنيست، بل بخلق واقع لا يمكن التراجع عنه. وعندما تُفرغ الأرض من سكانها، وتُمنع الدولة اللبنانية من بسط سيادتها أو إعادة إعمار قراها، فإن السيادة تتحول إلى نص نظري بلا أرض.

القول إن ما يحدث تكتيك عسكري مؤقت يتجاهل السياق التاريخي الممتد منذ عقود. جنوب الليطاني ظل حاضرًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي بوصفه عمقًا مائيًا وأمنيًا. واليوم، تُترجم تلك الرؤية في سلوك ميداني متراكم.

نحن أمام مشروع صامت: لا يُعلن ضمًا رسميًا، لكنه يعمل على خلق شروطه. لا يرفع علمًا جديدًا، لكنه يغيّر معالم الأرض. لا يصدر قانونًا، لكنه يفرض واقعًا بالقوة.

المسألة لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل صراع على هوية الأرض وحدودها. جنوب الليطاني ليس مجرد خط تماس، بل ساحة اختبار لإرادة البقاء اللبنانية في مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة رسم الخرائط تحت غطاء الأمن.

التاريخ يُظهر أن الوقائع الميدانية إذا تُركت بلا ردّ تتحول إلى حقائق سياسية. والسؤال اليوم ليس ماذا تريد إسرائيل نظريًا، بل ماذا تفعل فعليًا على الأرض. والجواب واضح: إعادة تشكيل الجنوب بالقوة، خطوة خطوة..

عباس المعلم - كاتب سياسي