منذ سنوات، يُدفع الرأي العام في المنطقة إلى تصديق رواية جاهزة مفادها أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل تمرّ بحالة عداء وتوتر استراتيجي، وأن الصدام بين الطرفين مسألة وقت لا أكثر ، التصريحات النارية، والخطابات الشعبوية،و التوتر الإعلامي الدائم، وكل ذلك يُقدَّم بوصفه انعكاسا لخلاف حقيقي غير أن ماجري على الأرض،
يعكس كل هذا المشهد مواقف علنية عدائية مشتركة من ملف غزة ولبنان وايران وصولا إلى سوريا .
لكن بذات الوقت تمر مصالح الإسرائيليين والأتراك دون أن نرى خلافا َ حقيقياَ .
الأتراك مؤخرا َدمروا مشروع قسد و أسقطوا المشروع الذي سمي بممر داوود وهو مشروع اسرائيلي وهمي ولكن اسرائيل لم تحرك ساكنا َ وبصمات الأتراك واضحة فيماحصل من مجازر بالسويداء وقبلها في الساحل السوري ليهيمن الإسرائيلي على جنوب سوريا ويستقطب العلويين في الساحل السوري مستقبلاَ .
وما كُشف مؤخرا عبر رواية ما سُمّي بـ«عملية نابولي»، يضع هذه السردية برمّتها موضع تقييم العلاقة الحقيقية بين الأتراك والإسرائيليين ، ويفرض إعادة قراءة المشهد من زاوية أقل عاطفية وأكثر واقعية.
ما كشفه الصحافي التركي يلماز أوزديل لا يمكن التعامل معه بوصفه نظرية هامشية أو تسريبا عابرا، بل هو توصيف صادر من داخل البيئة التركية نفسها، ومن إعلامي معروف بمحابيته للسلطة التركية ، لا من خصومها. الحديث هنا ليس عن تبرئة أو اتهام، بل عن تفكيك مسار كامل انتهى بسقوط نظام بشار الأسد ضمن سياق دولي وإقليمي لم يكن عفويا ولا ناتجا عن انهيار داخلي صرف، بل جاء نتيجة عملية طويلة الأمد، شارك فيها حلف شمال الأطلسي، وتقاطعت فيها المصالح التركية والإسرائيلية تحت مظلة أمريكية واضحة.
بحسب هذه الرواية، فإن ما جرى في سوريا لم يكن حربا تقليدية تهدف إلى إسقاط نظام فحسب، بل عملية مركّبة انتقلت من مرحلة التفكيك العسكري إلى مرحلة التحصين السياسي وإعادة البناء، أي تثبيت النتائج ومنع أي ارتداد استراتيجي مستقبلي. في هذه المرحلة تحديدا، تظهر تركيا لاعبا مركزيا، لا بوصفها دولة في حالة صدام مع إسرائيل، بل كطرف يدير نفوذا طويل الأمد على الجبهة السورية، انطلاقا من هواجس أمنية حقيقية، ومن طموح اقتصادي وجيوسياسي لا يمكن فصله عن إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق.
في المقابل، تبدو إسرائيل وقد حققت جوهر أهدافها من دون خوض مواجهة مباشرة إخراج سوريا من معادلة الصراع الإقليمي، تفكيك الجبهة الشمالية، تحييد الدور الإيراني المنظم، وضمان بيئة أمنية أقل تهديدا لسنوات طويلة مقبلة. في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال منطقيا ما مصلحة إسرائيل في الصدام مع تركيا؟ وأي فائدة استراتيجية يمكن أن تجنيها من مواجهة مع دولة عضو في الناتو طالما أن النتائج التي تسعى إليها قد تحققت بالفعل؟
اللافت في رواية «عملية نابولي» ليس الادعاء بوجود صفقة سرّية فحسب، بل توصيف ما سُمّي بالخلاف التركي–الإسرائيلي بوصفه أداة تمويه مدروسة. خطاب عدائي موجّه للجمهور، توترات إعلامية محسوبة، واشتباكات محدودة لا تتجاوز سقفا مرسوما بعناية، في حين يستمر التنسيق الأمني غير المعلن، ولا تتأثر العلاقات التجارية، بل تشهد توسعا ملحوظا. هنا لا نتحدث عن تحالف كلاسيكي ولا عن عداء وجودي، بل عن إدارة مصالح باردة، حيث تُستخدم اللغة السياسية كقناع، فيما تُدار الملفات الحقيقية خلف الأبواب المغلقة.
ضمن هذا السياق، تتحول سوريا من دولة ذات سيادة إلى مساحة وظيفية مفتوحة على مشاريع اقتصادية كبرى. إعادة إعمار تُقدَّر كلفتها بتريليون دولار، موانئ ومطارات وخطوط طاقة واستثمارات موزّعة بين قوى إقليمية ودولية، وسلطة جديدة تحظى بشرعية خارجية أكثر مما تستمد قوتها من الداخل. توصيف سوريا كمركز تسوق سياسي واقتصادي ليس مبالغة، بل اختصار فجّ لواقع تُقسَّم فيه الحصص بهدوء، بينما يُترك الرأي العام منشغلاً بصراعات شكلية.
هذا لا يعني أن تركيا وإسرائيل حليفتان استراتيجيتان بالمعنى الكامل، ولا أن التناقضات بينهما غير موجودة، لكنه يعني أن هذه التناقضات لا ترقى إلى مستوى الصدام، وأنها تُدار ضمن سقف واضح تفرضه المصالح الأمريكية والأطلسية. الخلاف، إن وُجد، هو خلاف على النفوذ والحصص، لا على جوهر المشروع ولا على الاتجاه العام للمنطقة.
في النهاية، تبدو رواية الخلاف التركي–الإسرائيلي، كما تُسوَّق جماهيريا، أقرب إلى وهم سياسي منظم منها إلى حقيقة استراتيجية. أما «عملية نابولي»، سواء كانت اسما دقيقا أو توصيفا رمزيا، فهي تعبّر عن مرحلة جديدة في إدارة الشرق الأوسط، مرحلة تُدار فيها الدول المنهكة بالصفقات لا بالشعارات، وبالتنسيق غير المعلن لا بالمواجهات المفتوحة. وفي هذا المشهد، لا يكون السؤال من انتصر ومن خسر، بل من بقي خارج اللعبة أصلا، ومن دفع ثمنها من دون أن يكون شريكا فيها.