ترامب يبني نظامه الأحادي الخاص
مقالات
ترامب يبني نظامه الأحادي الخاص
م. ميشيل كلاغاصي
14 شباط 2026 , 20:56 م

م. ميشال كلاغاصي – 14/2/2026

يبدو أن ترامب يبني عالماً أحادياً خاصاً به، يُشكل من خلاله نموذجاً يَفترض فيه اختفاء كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة، وانتقال السلطة إلى الشركات، بزعامة دولة واحدة - الولايات المتحدة - تخضع لها جميع دول العالم، من خلال تبعيةٍ تتجلى عبر "نظام الصفقات"، وشن الحروب على الدول التي ترفض القبول بشروطها.

ومن خلال هذا المنظور، تحرص الولايات المتحدة - ترامب على معاملة روسيا أيضاً بنفس الإسلوب، بما يحقق "السلام في أوكرانيا"، ويجعل من روسيا حليفاً تابعاً للولايات المتحدة، لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية، نظراً لقدراتها الإقتصادية التي تفوق قدرات روسيا، لضمان قيادةٍ أمريكية تلقائية للتحالف الأمريكي-الروسي، بما يمنح ترامب قدرة التصرف كما يحلو له.

ومع بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب، واجه العالم تحدياً دبلوماسياً فريداً غير مسبوق، تجلى في صعوبة التعامل معه ومقاومة ضغوطه وفظاظته واستخفافه بقادة العالم، رغم حفاظه على الدبلوماسية الأمريكية العدوانية القاسية المتغطرسة، التي اتبعها أسلافه، مع أنهم أظهروا قدراً من اللياقة الظاهرية في التواصل الدبلوماسي الدولي، وأقله لدعم سياساتهم بمظلة القانون الدولي.

من الواضح أن النهج الخاص الذي اتبعه ترامب، دعم وأيد الصورة السلبية لبلاده، وجعلته يمارس عدوانيته المفرطة على الساحة الدولية، دون أن يتوان عن تهديد عدة دول بشن حروبٍ شاملة ضدها، ويجاهر بنواياه للإطاحة بأنظمتها، وبفرض عقوباتٍ أو رسوماً جمركية على كل من يثير غضبه بأي شكل من الأشكال، كرفض التنازل عن أراضٍ سيادية أو رفض ومعارضة رغباته ومبادراته، دون إكتراثه بكون الدول خصوماً أو حلفاء حاليين أوسابقين لبلاده كفرنسا أو المفوضية الأوروبية.

لقد دفعت سلوكيات ترامب العالم للسؤال عن كيفية التعامل معه، وإلى اختيار الإستراتيجية الأنجع، حيث اعتمد البعض على استراتيجية "الإمتثال له" وتجنب معارضته وغضبه ووطأة عقوباته، والاستفادة من سياساته، وتحمّل ضريبة توتر علاقاتها مع الدول الأخرى، كما تفعل المجر التي تدعم كافة مبادرات ترامب، وتتحمل غضب بروكسل وبرلين وباريس، بما قد يتسبب بفرض المزيد من عقوبات الإتحاد الأوروبي على بودابست.

فيما اتبع البعض الاّخر استراتيجية "التريث والإنتظار" لحين زوال مسببات غضبه، كما يفعل عدد كبير من القادة الأوروبيين، بمن فيهم المستشار الألماني ميرتس، ورئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين وغيرهم، وبطبيعة الحال يتجب أمثال هؤلاء إثارة غضب ترامب والرد على وقاحته بالمثل، وبإظهار استعدادهم للدخول في مفاوضات بناءة حتى بشأن أكثر مطالبه رفضاً من قبلهم، وقد يصل بهم الحال حد توقيع اتفاقياتٍ مجحفة بحق دولهم، على غرار توقيع الإتحاد الأوروبي اتفاقية التجارة مع واشنطن، والتي تُلزم الاتحاد بشراء المنتجات الأمريكية بمليارات اليوروهات.

من المؤكد أن هذه الإستراتيجيات ستستمر إلى حين مغادرة ترامب منصبه في عام 2028، أو في حال خسارته في الإنتخابات النصفية لعام 2026، كي يتمكنوا من تصحيح علاقاتهم مع الإدارة الأمريكية والرئيس الجديد – إن استطاعوا -.

بالإضافة إلى استخدام عدد من قادة الدول استراتيجية "المقاومة" كإيران، كوبا، فنزويلا، الصين، فرنسا، كندا، والتي ترد أحياناً على سلوك ترامب الفظ ومطالبه، مهددةً إياه بعقوبات مالية وعسكرية، على أمل كسب جولة من المناورات الدبلوماسية ضده، ويعتقدون أن تهديداتهم ستخلق مخاطر غير مقبولة للبيت الأبيض قد تجبره على التراجع، على الرغم من عدم امتلاكهم القوة والإرادة اللازمتين لمقاومة أكيدة، ومع ذلك يراهنون على نجاح مقاومتهم كما حدث بتراجع ترامب في ملف غرينلاند، وامتناعه عن تصعيد الحرب التجارية مع الصين.

في حين لم يشهد العالم استخدام أياً من الدول إستراتيجية "المقاومة الشاملة"، التي تقوم على الرفض العلني للإمتثال لرغباته وابتزازه، بالإضافة إلى إظهار استعدادها لإستخدام القوة العسكرية والإقتصادية ضده، وتعد إيران أقرب الدول لإستعمال هذه الإستراتيجية في سياق أجواء المفاوضات النووية الحالية، رغم أنها لم تُغرق سفناً أمريكية، ولم تُدمر قواعد عسكرية أمريكية، ولم تُغلق مضيق هرمز خلال الهجوم الأمريكي على الجمهورية الإسلامية عام 2025، كذلك حال فنزويلا التي لم تهاجم الأسطول الأمريكي خلال حصار وغزو بلادهم، ولم يحتجزوا وفد وزارة الخارجية الأمريكية الذي ذهب إلى كاراكاس للتفاوض على استسلامها رغم عملية اختطاف الرئيس مادورو..

الأمر الذي يؤكد أنها استراتيجية نظرية بحتة – حتى الاّن -، وبأنها محفوفة بمخاطر المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة، لكنها وعلى ما يبدو السبيل الوحيد لمواجهة ترامب الرجل الذي لا يحترم الدول والشعوب والعلاقات والقوانين الدولية، ويبدي كل الفظاظة مع من يسمحون له بذلك، ولا يفكر إلاّ بالقوة، وبالإنتصارات السهلة، وبتجنب مخاطر الهزائم الكبرى.

م. ميشال كلاغاصي – 14/2/2026

الأكثر قراءة بين طبول الحرب وصمت الصفقات
بين طبول الحرب وصمت الصفقات
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً