د. مروان الزعبي
لاكثر من اربعين عاما كانت اليابان تقوم بدور الصراف الالي لبقية دول العالم خاصة الدول الغربية، تضخ السيولة بصورة دائمة ليس حبا في المساعدة وانما لالتقاء مصالحها مع مصالح بقية الدول مما ساهم في تحقيق الاستقرار في الاسواق المالية. خلال تلك الفترة كانت اسعار الفائدة في اليابان قريبة من الصفر المئوي او حتى سالبة وهذا ما مثل عنصر جذب للمستثمرين، يقترض المستثمر من اليابان بدون كلفة تذكر ويشتري سندات الخزينة الامريكية والاسهم لارتفاع عوائدها فيحقق ربح مضمون. ان المخاطرة الوحيدة التي تعرض لها المستثمر هي مخاطرة سعر الصرف، ولكن العديد من المستثمرين كانوا يلجأون للمشتقات المالية للتحوط لكن العائد بقي مجزي حتى بعد اعتبار كلفة الوقاية والتحوط. في الجانب المقابل، استفادت الولايات المتحدة كثيرا من هذا الوضع لان الاموال اليابانية زادت من عرض النقد في الولايات المتحدة وجعلت اسعار الفائدة الامريكية منخفضة الامر الذي مكن الحكومة الامريكية من الاقتراض بصورة مستمرة لتمويل عجز الموازنة العامة. واطلق على هذه العملية بتجارة الفائدة او تجارة الين Carry Trade والتي بلغ حجما في عام 2024 بحدود 450 مليار دولار تمثلت باستثمارات موزعة في العديد من الدول. وبالطبع لا احد كان يتوقع ان تستمر تجارة الفائدة كل هذه الفترة لان اسعار الفائدة لا يمكن ان تبقى ثابتة وعند مستويات صفرية. هذا الوضع كان مريح جدا لكافة الدول، الولايات المتحدة تمول عجز الموازنة من خلال طباعة النقد واصدار السندات منخفضة الفائدة واليابان تشتري السندات وتربح. بقيت هذه الحلقة مستمرة طالما ان هامش الفائدة بين البلدين مجزي.
لكن ما الذي حدث؟ وما الذي تغير؟ ببساطة ، لقد انخفض الهامش بحيث لم يعد من المجدي الاستمرار بهذه العمليات بعد ان رفعت اليابان اسعار الفائدة. فمنذ منتصف عام 2022 ارتفع معدل التضخم فوق المستهدف والبالغ 2% بسبب انخفاض سعر صرف الين وارتفاع معدلات الاجور والرواتب الناتج عن النقص الحاد في العمالة، وارتفعت ارباح الشركات ومعدلات النمو الاقتصادي ونتج عن ذلك ارتفاع عوائد السندات. فعلى سبيل المثال، ارتفعت اسعار فائدة الودائع في اليابان لتصل الى 2% و 3% ووصل عائد السندات الحكومية لاجل 10 سنوات الى ما يقرب من 2.5% وفي بداية هذا العام وصلت الى حدود 3.7% مقارنة ب 4.7% في الولايات المتحدة. هذا الهامش لم يعد مجزي خاصة بسبب مخاطرة سعر الصرف ناهيك عن الانخفاض في اسعار الفائدة في الولايات المتحدة خلال عام 2025. وفي نهاية عام 2025 رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي من 0% الى 0.75%، اعلى مستوى منذ ثلاثين عاما، وكانت هذه الخطوة بمثابة الرصاصة التي عكست الامور راسا على عقب.
من المعروف ان اليابان تعتبر اكبر مقرض للحكومة الامريكية بواقع 1.2 ترليون دولار بالاضافة الى استثماراتها الاخرى والتي تقدر بحوالي 3.5 ترليون دولار وهي اكبر مقترض في العالم بواقع 230% من الناتج المحلي، ان عودة هذه الاموال الى موطنها سوف يتسبب بأزمة سيولة خانقة للدول الغربية التي ستجد نفسها في وضع لا تحسد عليه مما سيؤثر سلبا على عملاتها. فعلى سبيل المثال، تراجع الدولار بما نسبته 10.5% امام سلة العملات الرئيسية DXY و 40% مقابل الذهب على اساس سنوي، ومن المتوقع ان يرتفع الين لان الطلب بدء يرتفع عليه خاصة اذا ما علمنا ان الحكومة اليابانية سوف تزيد من الانفاق الحكومي كما صرحت رئيسة الوزراء الجديدة وهذا يعني المزيد من الارتفاع في اسعار الفائدة. لذلك من المتوقع ان نرى استمرار هجرة الاموال من الولايات المتحدة واوروبا الى اليابان والتي بلغت نحو 3.2 ترليون دولار مما سوف يتسسبب بنكسة لم يحسب لها احد اي حساب. هذه الدول سوف تعاني من نقص السيولة بشكل حاد وستبقى تحت ضغط رفع اسعار الفائدة بالاضافة الى انهيار عملاتها وما الى ذلك من تبعات اقتصادية هامة.
الذهب في المقابل سوف يبقى في قلب الحدث حيث ستشهد المرحلة القادمة استمرار الهروب من العملات بحثا عن الذهب. هذا التحول المالي سيؤدي الى ارتفاع عوائد السندات في الولايات المتحدة من خلال انخفاض اسعارها مما سيؤدي الى احداث مشاكل في سوق العقار وكافة ادوات الاقتراض بالاضافة الى ارتفاع عجز الموازنة. هذه التطورات سوف تخلق بيئة خصبة للهروب من الدولار الامريكي على شكل بيع للسندات والاسهم وغيرها من الاوراق المالية والاقبال على شراء الذهب. من المتوقع في ضوء هذه الاحداث بالاضافة الى التطورات الجيوسياسية وشراء البنوك المركزية واستخدام الدولار كسلاح الى استمرار الارتفاع في اسعار الذهب حتى وان شهدنا بعض الارتدادات فى الفترة القصيرة. ان العالم يتغير وما كان مستحيلا قبل سنوات اصبح اليوم ممكنا بسبب الخوف من الدولار. الذهب سيبقى الملاذ الامن لسنوات طويلة قادمة.
د.مروان الزعبي
مستشار مالي واقتصادي
اقتصادي رئيسي، صندوق النقد الدولي سابقا
جامعة الزيتونة الاردنية