بقلم: موسى عبّاس
بين مطرقة الحرب وسندان السلم الهش، يقف العالم اليوم مشدوهاً أمام مشهد سريالي؛ رئيس ينصّب نفسه "إمبراطوراً" على أشلاء النظام الدولي، متبنياً سياسة "البلطجة المادية" التي لا تقبل اعتراضاً. "ما هو عندكم من ثروات لي، وعليكم أن تدفعوا ثمن حمايتي ".. هكذا يختصر لغة الحوار مع القارّات، مُحوّلاً الأمم المتحدة ومجلس أمنها إلى مجردّ "شهود زور" على جريمة عالمية كبرى تمتد خيوطها من أمريكا اللاتينية إلى أدغال أفريقيا، وتستقر في قلب الشرق الأوسط الجريح.
إنها "ساديّة سياسيّة" بامتياز، تقتات على دماء أطفال غزة وتبيعهم وعوداً كاذبة، بينما تتدفّق المليارات إلى خزائن مجمع الصناعات العسكرية. والمفارقة الأخلاقية هنا تكمن في أن هذا "الحاكم المطلق" ليس إلا رهينة لملفات قذرة وفضائح جنسية (كشفتها وثائق جزيرة إبستين)، تُسرّب بالتقسيط المريح حسب رغبة أرباب الاستخبارات الصهيونية، الذين يبتزون "سيّد البيت الأبيض" ليطوّعوا القرار الأمريكي تماماً لخدمة الكيان.
وفي ظل هذا العمى الاستراتيجي، يطل علينا الرئيس بـ "عين واحدة"؛ يبارك الترسانة النووية الصهيونية الضخمة، بينما يهدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحرب مدمرة لمنع تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. إنه استكبار يرفض الاعتراف بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن قلّة من الدول –وعلى رأسها إيران– قد كسرت حاجز الخوف ورفضت الخنوع لهذا السحل السياسي والاقتصادي.
لكن، هل يدرك "نتنياهو" ومن خلفه "ترامب" أن الرياح قد تجري بما لا تشتهي بوارجُهم؟ إن الدّفع باتجاه حرب شاملة ضد إيران ليس مجرد قرار عسكري، بل هو مقامرة انتحارية بكل ما تعنيه الكلمة. ففي لحظة الصفر، لن تكون القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج –والتي ارتضت أن تكون منصّات للعدوان– سوى "أهداف ثابتة" ومقابر لبوارج الإمبراطور وأساطيره.
إن اندلاع شرارة المواجهة في الخليج العربي لن يتوقف عند حدوده؛ بل سيمتد لهيبه كالنار في الهشيم ليصل إلى بحر الصين.
العالم اليوم أمام زلزال أمني واقتصادي سيجعل "سعر برميل النفط" حلماً بعيد المنال، وسيحطم هيبة "القوّة العظمى" التي ظنّت أن الابتزاز يمكن أن يدوم للأبد.
لقد بنى هذا الرئيس مجده على أنقاض العدالة، لكن التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات التي تُبنى على الابتزاز والفضائح والدم، تنتهي دائماً بانهيار مدوٍ. إن غداً، بانكسار الجبروت الصهيوني وتحطم الأساطيل الأمريكية أمام صمود محور المقاومة، لناظره قريب.