الدراما والسينما السورية: مسار تطور وصناعة هوية ثقافية
مقالات
الدراما والسينما السورية: مسار تطور وصناعة هوية ثقافية
وائل المولى
22 شباط 2026 , 08:43 ص

‏شهدت سوريا دخول الفن السابع مبكرا نسبيا، إذ بدأت عروض الأفلام السينمائية في حلب عام 1908، ثم في دمشق عام 1912، لتشكّل تلك العروض البدايات الأولى لعلاقة المجتمع السوري بالصورة المتحركة. غير أن الانتقال من مرحلة العرض إلى الإنتاج المحلي احتاج إلى سنوات من المحاولات الفردية، حتى ظهرت في أواخر عشرينيات القرن الماضي أولى التجارب السينمائية السورية الروائية.

‏مع تأسيس المؤسسة العامة للسينما عام 1963، دخلت السينما السورية مرحلة تنظيم مؤسسي أكثر وضوحًا، حيث أُنتجت أفلام روائية ووثائقية عكست تحولات المجتمع وأسئلته الثقافية. تميّزت هذه المرحلة بتركيزها على الموضوعات الاجتماعية والفكرية، وبحضور مخرجين سعوا إلى بناء لغة بصرية خاصة. من بين الأعمال التي حظيت باهتمام نقدي عربي ودولي فيلم المخدوعون، الذي تناول قضية إنسانية وسياسية بلغة فنية رمزية، إضافة إلى تجارب مخرجين مثل محمد ملص في أفلام منها أحلام المدينة، والتي عالجت تحولات اجتماعية ضمن رؤية سردية شاعرية.

‏ورغم أن حجم الإنتاج السينمائي السوري بقي محدودا مقارنة ببعض التجارب العربية الأخرى، إلا أن حضوره اتسم بطابع فني ونقدي واضح، وشارك في مهرجانات دولية، ما أسهم في تعريف الجمهور الخارجي بملامح من الثقافة السورية عبر السينما.

‏في موازاة ذلك، تطورت الدراما التلفزيونية بشكل متسارع منذ انطلاق البث التلفزيوني عام 1960 عبر الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. بدأت التجارب الأولى بتمثيليات قصيرة، ثم توسعت تدريجيًا في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لتشمل أعمالا اجتماعية وتاريخية وكوميدية، شكّلت قاعدة لتطور لاحق أكثر اتساعا.

‏برزت الدراما السورية بوصفها مشروعا ثقافيا يعتمد على النص المكتوب بعناية، وعلى أداء تمثيلي احترافي، مع اهتمام ملحوظ بالتفاصيل الاجتماعية والبيئية. أعمال البيئة الشامية، ومن بينها باب الحارة، وأيام شامية  قدّمت صورة درامية للحياة الدمشقية في فترات تاريخية سابقة، بينما عالجت أعمال اجتماعية وسياسية موضوعات تتصل بتحولات المجتمع والعلاقات الإنسانية مثل مسلسل نهاية رجل شجاع .

‏ كما شكّل مسلسل التغريبة الفلسطينية محطة بارزة في الدراما العربية، لما حمله من معالجة تاريخية وإنسانية واسعة.

‏وتبرز أهمية الدراما السورية بشكل خاص في موسم شهر رمضان، الذي تحوّل إلى منصة سنوية لعرض الإنتاجات العربية الكبرى. خلال هذا الموسم، استطاعت المسلسلات السورية أن تحجز موقعا ثابتا ضمن خريطة المشاهدة في عدد كبير من الدول العربية، مستفيدة من قوة النص وتنوع الموضوعات، ومن قدرة الممثلين على تجسيد شخصيات قريبة من الجمهور. وقد أسهم هذا الحضور المنتظم في ترسيخ مكانة الدراما السورية كأحد مكونات القوة الناعمة الثقافية في المنطقة.

‏يمكن القول إن السينما والدراما في سوريا سلكتا مسارين متوازيين: الأول اتجه نحو الإنتاج السينمائي ذي الطابع الفني والنخبوي نسبيا، والثاني نحو الدراما التلفزيونية ذات الانتشار الجماهيري الواسع. وفي الحالتين، شكّل الفن وسيلة لتوثيق التحولات الاجتماعية والثقافية، وتقديم سرديات متعددة عن المجتمع السوري.

‏اليوم، تقف الصناعة الفنية أمام تحديات التطوير ومواكبة التحولات التقنية ومنصات العرض الحديثة، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية. وبين السينما والدراما، يبقى الإنتاج الفني السوري جزءا من المشهد الثقافي العربي، ومساحة للتعبير الإبداعي تعكس تنوع المجتمع وثراء تجربته التاريخية.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري