{ حين تنحني الكاميرا إجلالا...طهران تهدي السيرة لوحة من ضياء في مقام الرسول”ص"}.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد الرحمة المهداة، والسراج الذي ما خبا ضياؤه في ليل الإنسانية الطويل.
حين تقترب السينما ” عالم الفن السابع" من مقام النبوة، عليها أن تخلع صخبها، وأن ترتدي سكينة تليق بالمقام المحمدي العالي، فالسيرة ليست مادة دراسية، بل أمانة روحية؛ وليست حدثا تاريخيا يستهلك، بل نورا أخلاقيا يستدام. من هنا جاء فيلم ”محمد رسول الله (ص)" للمخرج الإيراني الشهير ”مجيد مجيدي", لا ليبهر الأبصار فحسب، بل ليوقظ البصائر، ولا ليصنع ضجيجا، بل ليصوغ وعيا حضاريا ووجدانيا.
إذا كان فيلم ”الرسالة" للراحل مصطفى العقاد رحمه الله قد قدم الإسلام للعالم بجسر عقلاني رصين، مركزا على البعد الحضاري والتشريعي للبعثة، فإن مجيدي إتجه نحو الأفق الأنطلوجي للسيرة؛ نحو الطفولة النبوية بوصفها منبع الرحمة الأولى، وبذرة النور قبل اكتمال الإعلان. هنا لا تروى السيرة فحسب، بل تستشعر. لانرى الحدث وحده، بل نحس بالقيمة وهي تتخلق في المشهد.
الكاميرا في هذا العمل ليست أداة تصوير، بل كيان خاشع؛ تمشي على أطراف الإجلال، وتعرف حدودها أمام مقام عظيم. الصورة متوضئة والإضاءات ذات بعد رمزي، والموسيقى تنساب كدعاء خفي يواكب المعنى، إنها جماليات أخلاقية تتكامل فيها السيميولوجيا مع الروح، ويغدو الفن فيها وسيطا ابستمالوجيا يعيد تشكيل الوجدان الجمعي.
يترجم الفلم بصريا قوله تعالى: { وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين}. فتتجلى الرحمة لا كشعار خطابي، بل كتجربة يعيشها المشاهد، مسلما كان أم من أتباع الديانات السماوية الاخرى.
في مشاهد عديدة، يبرز العمل احترام الإسلام للتعدد الديني، ويظهر النبي محمد ”ص" بوصفه حامل رسالة كونية تتسع للإنسان بما هو إنسان. وهنا تتبدى عالمية الخطاب، ويتأكد أن الإسلام في جوهره تكريم لا إقصاء ورحمة لا قسوة.
إن العناية التي أحيط بها هذا العمل تعكس رؤية حضارية تعتبر الفن مسؤولية لا ترفا.
فمنذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة روح الله الخميني ”ق" برزت الثقافة بوصفها أحد أعمدة المشروع النهضوي، واستمر الاهتمام بالهوية والقيم ضمن رؤية تؤكد أن القوة الناعمة جزء من صناعة الوعي، وقد تجلى هذا المسار في رعاية الفنون الهادفة، وفي الإيمان بأن السينما يمكن أن تكون مدرسة أخلاقية، لا مجرد منصة ترفيه.
وليس خافيا ما قدمته العقول الإيرانية في ميادين العلم والبحث؛ في الطب والفلك والرياضيات و الهندسة والموسيقى والفيزياء وكافة العلوم الإنسانية، حيث تتكامل المعرفة مع الهوية ويتعانق العقل مع الروح، فالحضارة لا تبنى بالتقنية وحدها، بل بمنظومة قيمية تجسده.
في إحدى الندوات السينمائية بالعاصمة الجزائرية الشقيقة، دار نقاش راق حضاري حول المقارنة بين ( الرسالة) و (محمد رسول الله) ”ص" لم يكن المقصد المفاضلة بقدر ما كان تعمقا في منهجين: منهج التعريف الحضاري، ومنهج التأثير الوجداني. وقد بدا واضحا أن السينما الإيرانية تضيف بعدا عاطفيا عميقا؛ تجعل المشاهد لا يفهم الرسالة فحسب، بل يتعلق قلبه بها عشقا. وهذا هو الفرق بين العرض والإشراق، بين السرد؛ والسر.
ويبقى السؤال: ماذا بعد المشاهدة؟
الجواب في رأيي ليس في التصفيق، بل في التحول.
ليس في الإعجاب العابر، بل في الإقتداء الدائم.
فالسيرة النبوية الشريفة إذا لم تتحول إلى سلوك، بقيت حكاية؛ وإذا لم تصبح القيم ممارسة، ظلت شعارات.
إن ”محمد رسول الله" ص ليس فيلما يشاهد فحسب، بل تجربة تعاش. إنه محاولة صادقة ليولد الجمال على خطى الجلال، وليقترب الفن من مقام النبوة ما يستطيع من إحترام.
فإن كان التاريخ قد أنجب محمدا رسولا، فإن الضمير الحي مطالب بأن ينجب محمد خلقا في كل زمان؛ وهنا فقط تتحول السينما من شاشة تضيئ أمامنا إلى نور يستقر فينا، ليبقى أثره خالدا في القلب والعقل والروح، ويؤكد للعالم أجمع أن إيران وأدمغتها، علماؤها وفنها الرصين، تسعى لإعلاء قيم الرحمة، والعدل، والحكمة في أبهى صورها الحضارية، على خطى النبي الكريم ”ص".
ف طهران تحيي السيرة النبوية وآل بيت النبوة، وتكرم جميع الأنبياء وخيرة نساء الأرض من مريم البتول عليها السلام ونبي الله يوسف الصديق ”ع" بأسلوب حضاري أدبي رفيع يليق بصفوة الأنبياء والأتقياء الأنقياء.
مفكر وكاتب سوري.