لطفية الدليمي… الكتابة كقدرٍ إنساني في زمنٍ مضطرب
مقالات
لطفية الدليمي… الكتابة كقدرٍ إنساني في زمنٍ مضطرب
البشير عبيد – تونس
10 آذار 2026 , 04:17 ص

* البشير عبيد

ليس من الضروري أن نلتقي بالكتّاب الذين نحبهم كي نشعر أننا نعرفهم معرفة حقيقية. فثمة نوع خاص من الصلة تنشأ في صمت القراءة، صلة تتجاوز التعارف العابر لتلامس شيئًا أعمق في الداخل، كأن الكلمات التي يكتبها المبدع تفتح بابًا خفيًا بين روحه وروح قارئ بعيد لا يعرفه، لكنه يشعر نحوه بألفة غامضة. هكذا بدأت علاقتي بكتابات الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي منذ سنوات طويلة، حين وقعت بين يديّ إحدى رواياتها في طبعة عربية قديمة، فوجدت نفسي أمام صوت سردي مختلف، صوت لا يعتمد على الإثارة ولا على الزخرفة اللفظية، بل على حس إنساني عميق يجعل من الكتابة نوعًا من التأمل في الوجود، ومحاولة لفهم العالم بقدر ما هي محاولة لسرده.

منذ تلك القراءة الأولى أدركت أنني أمام كاتبة لا تكتب من أجل الحكاية وحدها، بل تكتب لأن الكتابة عندها شكل من أشكال العيش، أو ربما شكل من أشكال المقاومة الهادئة في وجه عالم مضطرب. ومع مرور السنوات، توالت قراءاتي لأعمالها، فازددت اقتناعًا بأن لطفية الدليمي تنتمي إلى ذلك الجيل من المثقفين الذين حملوا المعرفة بوصفها مسؤولية، لا مجرد مهنة، وتعاملوا مع الأدب باعتباره مساحة للبحث عن المعنى، لا مجرد وسيلة للظهور أو الحضور الإعلامي.

القراءة العميقة و المعرفة الإنسانية

كثيرًا ما تبدأ علاقتنا بالكتّاب من كتاب واحد، لكن بعض الكتب يترك أثرًا لا يزول، لأنه لا يكتفي بأن يمنحنا متعة القراءة، بل يغيّر شيئًا في طريقتنا في النظر إلى العالم. هكذا كانت تجربتي الأولى مع أعمال لطفية الدليمي، حيث شعرت منذ الصفحات الأولى أنني أمام كتابة تنتمي إلى عالم داخلي شديد الحساسية، عالم يقترب من الإنسان في ضعفه وقوته، في حيرته وأحلامه، وفي ذلك التوتر الدائم بين ما نريده وما يفرضه علينا الواقع.

لم تكن نصوصها صاخبة، ولم تكن تبحث عن الدهشة السهلة، بل كانت تمضي في هدوء، كأنها تثق بأن الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت حضوره. وربما لهذا السبب بقيت كتاباتها قادرة على البقاء في الذاكرة، لأن ما يُكتب بصدق لا يشيخ بسهولة.

ومع اتساع قراءتي لأعمالها، اكتشفت أن عالمها لا يقتصر على الرواية فقط، بل يمتد إلى الترجمة والكتابة الفكرية، حيث كانت ترى في الترجمة جسرًا ضروريًا بين الثقافات، ووسيلة لحماية العقل العربي من الانغلاق. لم تكن الترجمة عندها عملاً تقنيًا، بل فعلًا ثقافيًا واعيًا، ينطلق من إيمان بأن المعرفة لا وطن لها، وأن الثقافة الحقيقية هي التي تظل مفتوحة على العالم.

ومع ظهور وسائل التواصل الحديثة، أتاح لنا الفضاء الرقمي أن نقترب أكثر من بعضنا، فتجاوزت العلاقة حدود القراءة إلى مساحة من الحوار المباشر. هناك اكتشفت جانبًا آخر من شخصية هذه الكاتبة الكبيرة؛ إنسانة هادئة، متواضعة، بعيدة عن الادعاء، تتحدث بالبساطة نفسها التي تكتب بها، وكأنها لا ترى في الكتابة سلطة، بل مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.

صوت هادئ في زمن الضجيج الثقافي

في زمن أصبح فيه الحضور الثقافي يقاس أحيانًا بمدى الظهور الإعلامي، بدت لطفية الدليمي وكأنها اختارت طريقًا آخر، طريقًا أكثر صعوبة، لكنه أكثر صدقًا. لم تكن من الكاتبات اللواتي يلاحقن الأضواء، بل كانت تنشغل بما هو أبقى من الأضواء: الكتابة نفسها. ولهذا ظل حضورها في المشهد الثقافي العراقي والعربي حضورًا عميقًا، حتى وإن لم يكن دائمًا صاخبًا.

لقد عرفت الثقافة العربية، في العقود الأخيرة، تحولات كثيرة، بعضها كان ضروريًا، وبعضها حمل قدرًا كبيرًا من الارتباك. وفي خضم هذا الارتباك، برزت أصوات اختارت أن تحافظ على هدوئها، وأن تواصل العمل في صمت، إيمانًا بأن ما يبقى في النهاية هو ما يُكتب بجدية وإخلاص. وكانت لطفية الدليمي واحدة من هذه الأصوات التي لم تتخلّ عن رهانها على الثقافة، رغم كل ما عرفه الواقع العربي من قسوة واضطراب.

كانت كتاباتها تحمل دائمًا ذلك الخيط الإنساني الذي يجعل الأدب قريبًا من القارئ، حتى حين يتناول أسئلة كبيرة. لم تكن تنظر إلى الإنسان بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه كائنًا يعيش في عالم معقد، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا فيه. وربما لهذا السبب ظلّت أعمالها قادرة على أن تلامس القارئ في أكثر من مستوى، لأنها تنطلق من تجربة إنسانية حقيقية، لا من تصور نظري بارد.

ولعل ما ميّز حضورها أيضًا أنها جمعت بين الرواية والترجمة، بين الإبداع والمعرفة، فكانت نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يسعى إلى توسيع أفق القارئ، وإلى فتح نوافذ جديدة أمامه. وهذا ما جعل مكانتها في المشهد الثقافي العربي تتجاوز حدود بلدها، لتصبح جزءًا من ذاكرة ثقافية أوسع، يعرفها القراء في أكثر من بلد، ويشعرون أنها تنتمي إليهم جميعًا.

الرحيل الصامت وذاكرة الكتابة

حين يصلنا خبر رحيل كاتب أحببناه، نشعر أن شيئًا من ذاكرتنا الشخصية قد انطفأ. فالعلاقة مع الكتّاب ليست علاقة معرفة عابرة، بل علاقة تمتد عبر السنوات، وتتشكل من قراءات متراكمة، ومن لحظات وجدانية لا يشاركنا فيها أحد. ولهذا يكون الفقد مضاعفًا، لأننا لا نفقد شخصًا فقط، بل نفقد جزءًا من زمننا الذي ارتبط بكتاباته.

هكذا كان وقع رحيل لطفية الدليمي ثقيلاً على النفس. لم يكن الأمر مجرد خبر عابر في سيرة الثقافة العربية، بل كان شعورًا بأن صوتًا هادئًا انطفأ، صوتًا ظلّ لسنوات يكتب بعيدًا عن الضجيج، ويمنح القارئ ذلك الإحساس النادر بأن الأدب ما يزال قادرًا على أن يكون مساحة للصدق.

لقد عاشت هذه الكاتبة الكبيرة للكتابة، وعاشت للمعرفة، وعاشت لذلك الإيمان القديم بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة. وربما لهذا جاء رحيلها هادئًا كما كانت كتابتها هادئة، من دون ضجيج، لكن مع أثر لا يمكن أن يزول بسهولة. فالكتّاب الذين يكتبون بصدق لا يرحلون تمامًا، لأن شيئًا منهم يبقى في كتبهم، ويبقى في ذاكرة القراء الذين عرفوهم من خلال الكلمة قبل أن يعرفوهم في الحياة.

وهكذا، حين نستعيد اليوم اسم لطفية الدليمي، فإننا لا نستعيد سيرة كاتبة فقط، بل نستعيد معنى من معاني الثقافة العربية التي ما تزال تقاوم، رغم كل ما يحيط بها من تعب. نستعيد فكرة أن الكتابة يمكن أن تكون قدرًا إنسانيًا، وأن الإخلاص لهذا القدر هو ما يمنح الكاتب مكانه الحقيقي في الذاكرة.

أما الذين عرفوها عبر القراءة، ثم عبر الحوار، ثم عبر ذلك القرب الإنساني الذي تصنعه الكلمة، فسيبقون يشعرون أن العلاقة لم تنقطع تمامًا، لأن الكتب التي كتبتها ما تزال هناك، تفتح أبوابها بهدوء، وتقول لكل من يدخلها إن الكتابة الصادقة لا تموت.

* شاعر و كاتب صحفي تونسي مهتم بقضايا الفكر التنويري و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي