السلفية في الأدب والثقافة
مقالات
السلفية في الأدب والثقافة
ا. خالد الحديدي / مصر
20 أيار 2026 , 22:44 م

بقلم خالد الحديدي/ مصر

حين نتأمل تاريخ الثقافة العربية، بل تاريخ الوعي الإنساني كله، نكتشف أن أخطر ما واجهته المجتمعات لم يكن دائمًا الجهل الصريح، ولا القمع المباشر، بل ذلك النوع الخفي من السكون الذي يتسلل إلى العقل حين يظن أنه امتلك الحقيقة الأخيرة، وحين تتحول المعرفة من رحلة اكتشاف إلى وظيفة حراسة، ومن مغامرة مفتوحة إلى يقين مغلق يراقب كل حركة جديدة بعين الشك والريبة

ومن هنا تبدو السلفية، في جوهرها العميق، أكبر بكثير من مجرد تيار ديني أو اتجاه فكري محدود، إنها بنية ذهنية كاملة، طريقة في النظر إلى العالم، تقوم على الخوف من التحول، وعلى الرغبة في تثبيت الزمن عند لحظة بعينها، باعتبارها اللحظة النموذجية التي يجب أن يُعاد إنتاجها إلى الأبد

ولهذا فإن السلفية في الأدب والنقد والثقافة لا تختلف كثيرًا عن السلفية الدينية، حتى لو اختلفت اللغة، وتبدلت الشعارات، وارتدت الأفكار أثوابًا أكثر حداثة وأناقة

ففي الحالتين هناك خوف عميق من السؤال، لأن السؤال لا يكتفي بالبحث عن إجابة، بل يفتح الباب لاحتمالات جديدة، والاحتمال دائمًا يهدد السلطة المستقرة، سواء كانت سلطة شيخ، أو سلطة ناقد، أو سلطة مؤسسة ثقافية اعتادت أن ترى نفسها الحارس الوحيد للمعنى والجمال والذائقة

ولهذا تتحول الثقافة، شيئًا فشيئًا، من فضاء للاكتشاف إلى جهاز رقابة ناعم، يراقب اللغة، ويحدد شكل الخيال المقبول، ويمنح الشرعية لهذا النص ويحجبها عن ذاك، لا وفق قدرة النص على كشف العالم، بل وفق مدى خضوعه للنموذج القديم الذي استقر طويلًا بوصفه المعيار النهائي للحقيقة الفنية

وحين يحدث ذلك، يصبح الكاتب المختلف مصدر قلق قبل أن يُقرأ، لأن المشكلة لا تكون في النص ذاته، بل في مجرد خروجه عن النسق المعتاد، وكأن الثقافة اعتادت أن ترى نفسها في المرآة نفسها، حتى صار أي وجه جديد تهديدًا لصورتها القديمة عن ذاتها

ولعلّ أكثر ما يكشف هذه الأزمة أن كثيرًا من البيئات التي تتحدث صباح مساء عن الحرية والتجديد والتنوير، تمارس في العمق نوعًا شديد القسوة من الوصاية الفكرية، فهي تقبل بالاختلاف ما دام اختلافًا يمكن احتواؤه، وتحتفي بالتجريب ما دام لا يهز البنية العميقة للسلطة الثقافية، أما حين يظهر صوت يحاول إعادة تعريف الأسئلة نفسها، تبدأ آليات الرفض القديمة في العمل، ولكن بلغة أكثر تهذيبًا ونعومة

فيقال عن النص إنه غامض، أو متعالٍ، أو يفسد اللغة، أو يهدم الذائقة، بينما الحقيقة أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه لا يشبه ما اعتاده الحراس القدامى

وهكذا يتحول النقد، في صورته السلفية، من قراءة تبحث عن المعنى إلى محكمة تبحث عن المخالفة، ويتحول الناقد من قارئ يحاول اكتشاف طبقات النص وتناقضاته وتحولاته، إلى موظف ثقافي يحمل في داخله نموذجًا جاهزًا يريد من كل نص أن يطيعه

فإذا خرج النص عن القالب، بدا له كأنه خروج على النظام ذاته، لا مجرد اختلاف جمالي أو فكري

ولهذا لم تكن أغلب المعارك الأدبية الكبرى عبر التاريخ معارك حول اللغة وحدها أو الشكل وحده، بل كانت في حقيقتها صراعات على السلطة الرمزية، على من يملك تعريف الأدب، ومن يحدد ما هو راقٍ وما هو منحط، ومن يحق له الكلام باسم الثقافة

ولذلك كثيرًا ما جرى التعامل مع الكاتب المختلف كما لو كان خطرًا أخلاقيًا أو حضاريًا، لا مجرد صاحب تجربة جديدة، لأن كل تجربة حقيقية تكشف هشاشة اليقين القديم، وتفضح أن ما بدا ثابتًا ونهائيًا لم يكن سوى بناء تاريخي قابلًا للتحول والانهيار وإعادة التشكل

ومن هنا نفهم لماذا يُهاجم كل جديد أولًا بالسخرية، ثم بالتشويه، ثم بالتجاهل، قبل أن يأتي زمن آخر يحوله إلى جزء من التراث نفسه الذي كان يُحارب باسمه

فالتاريخ الثقافي مليء بالمفارقات الساخرة، حيث يتحول المتمرد القديم إلى رمز رسمي، ثم يأتي جيل جديد ليُحارب بالطريقة نفسها التي حورب بها من سبقوه، وكأن الثقافة أحيانًا لا تتعلم من ذاكرتها، بل تعيد إنتاج آليات القمع ذاتها بأسماء مختلفة

إن السلفية الثقافية لا تعني فقط الدفاع المبالغ فيه عن التراث، لأن حب التراث في ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون شرطًا ضروريًا لأي نهضة حقيقية، لكن الأزمة تبدأ حين يتحول التراث إلى صنم معرفي، وحين يصبح الماضي نهاية للأسئلة لا بدايتها، وحين يتحول احترام الأسلاف إلى عبودية فكرية تمنع الأحياء من رؤية العالم بأعينهم الخاصة

وهنا تفقد الثقافة قدرتها على الحركة، لأن الحركة تحتاج إلى الشك، والشك يحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تهدد دائمًا أولئك الذين بنوا سلطتهم على ثبات الصورة القديمة

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس غياب المثقفين، بل حضور المثقف الحارس، ذلك الذي يتعامل مع الثقافة بوصفها منطقة مغلقة، لا يدخلها إلا من يشبهه، ولا ينجو فيها إلا من يكرر لغته وانفعالاته ومفاهيمه

إن المثقف الحارس لا يخاف على الثقافة بقدر ما يخاف على موقعه داخلها، ولهذا يبدو عداؤه لأي صوت جديد أشبه برد فعل غريزي ضد احتمال فقدان المركز الذي اعتاد الوقوف فيه طويلًا

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الحداثة نفسها إلى شكل من أشكال السلفية أحيانًا، حين تصبح مجرد قاموس مغلق آخر، له مصطلحاته المقدسة، ونماذجه التي لا يجوز تجاوزها، وحدوده التي يُطرد خارجها كل من يحاول التفكير بطريقة مختلفة

فالسلفية ليست في شكل الخطاب، بل في طريقة التفكير، وقد يرتدي الإنسان كل رموز الحداثة بينما يظل عقله في العمق عقلًا مغلقًا، لا يحتمل السؤال الحقيقي، ولا يقبل بالتعدد إلا بوصفه زينة شكلية لا تمس جوهر يقينه

ولهذا فإن الثقافة الحية لا تقوم على إنكار الماضي ولا على عبادته، بل على الدخول معه في حوار دائم، حوار يكشف التناقضات، ويفتح الطبقات المخفية، ويعيد تأويل المعاني وفق تحولات الإنسان والزمن والتجربة

فالتراث الحقيقي ليس حجرًا فوق الوعي، بل طاقة تتحرك كلما امتلكنا الجرأة على إعادة قراءته، وكلما فهمنا أن النصوص العظيمة لا تعيش لأنها مغلقة، بل لأنها قادرة على إنتاج معانٍ جديدة في كل عصر

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للأدب هو أن يتحول إلى مؤسسة طاعة، لأن الأدب وُجد أصلًا لكي يقلق يقيننا، لا لكي يطمئننا إليه، وُجد لكي يكشف الشقوق داخل الجدار، لا لكي يعيد طلاء الجدار بألوان جديدة

وحين يخاف الكاتب من التجريب، والناقد من الاختلاف، والقارئ من التفكير خارج ما اعتاده، تبدأ الثقافة في الشيخوخة، حتى لو بدا المشهد الخارجي مليئًا بالندوات والجوائز والاحتفالات والأسماء اللامعة

فالثقافة لا تُقاس بحجم الضجيج، بل بقدرتها على إنتاج أسئلة جديدة، وعلى فتح أفق مختلف للوعي والخيال والإنسان

ولهذا ربما لم تكن معركة الثقافة الحقيقية يومًا بين القديم والجديد بالمعنى البسيط، بل بين عقل يرى التراث بداية للحوار، وعقل يراه نهاية لكل حوار، بين من يؤمن بأن الحقيقة رحلة لا تنتهي، ومن يريد تحويلها إلى قبر مغلق يحرسه الخوف باسم الأصالة أو الدين أو الذائقة أو حتى الحداثة نفسها.

كاتب و ناقد و باحث من مصر

One attachment

• Scanned by Gmail