عندما يعتذر أستاذ القانون الدولي… ويصمت حراس السيادة
مقالات
عندما يعتذر أستاذ القانون الدولي… ويصمت حراس السيادة
عجنان علامه
20 أيار 2026 , 22:30 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

في لحظةٍ فريدة ونادرة من الصدق الأكاديمي والأخلاقي، وقف العميد البروفيسور كميل حبيب، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية السابق في الجامعة اللبنانية، ليعلن إعتذاره الشهير لطلابه عن تدريس القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني بعد المجازر الإس.رائي.لية في غزة.

لم يكن موقفه انفعالًا عابرًا، بل إدانة فكرية وأخلاقية َمن هامة رفيعة قانونية أكاديمية لمنظومة دولية سقطت أمام اإختبار الإنسانية، بعدما تحولت القوانين التي دُرِّست لعقود إلى نصوص عاجزة أمام "قانون القوة" .

إن إعتذار البروفيسور حبيب لم يكن رفضًا للعلم أو للقانون، بل رفضًا للنفاق الدولي الذي كشفته حرب غزة، ثم تأكد لاحقًا في لبنان وإيران وفنزويلا.

فمجلس الأمن والأمم المتحدة اللذان يرفعان شعارات حماية الشعوب، والسيادة، وحقوق الإنسان، وقفا عاجزين أو متواطئين أمام المجازر الإس.رائيلية في غزة، والإعتداءات اليومية على لبنان، والعدوان الأمريكي ـ الإس.رائي.لي على إيران، وحتى عملية خطف الرئيس الفنزويلي مادورو وعمليات التهديد بالهجوم على كوبا والضغط السياسي ضد دول ترفض الهيمنة الأمريكية.

ففي لبنان تحديدًا، تتجلى المفارقة المؤلمة بين موقف أكاديمي تحلى بالشجاعة الأخلاقية، وبين أداء السلطة السياسية، التي يفترض أنها مؤتمنة على السيادة الوطنية.

فالرئيس جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، يواجهان اليوم انتقادات واسعة، بسبب اندفاعهما نحو مشاريع تفاوضية وسياسية تُطرح في ظل استمرار الإحتلال والإعتداءات الإسرائيلية، ومن دون إمتلاك لبنان لأي عناصر قوة أو ضغط حقيقية.

والخطورة لا تكمن فقط في الدعوة إلى التفاوض المباشر مع العدو في ظل اختلال موازين القوى، بل في الخطاب الذي يقدّم سلاح المقاومة كعبء داخلي يجب التخلص منه، بينما لا تزال الأراضي اللبنانية محتلة، والخروقات الإسرائيلية مستمرة، والقرارات الدولية المتعلقة بلبنان غير مطبقة منذ عقود.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن مطالبة شعب أو مقاومة، بالتخلي عن عناصر الردع الوحيدة، فيما المجتمع الدولي نفسه عاجز عن فرض إنسحاب الإحتلال أو حماية المدنيين؟

فالدستور اللبناني يُحمِّل الدولة مسؤولية حماية السيادة والأرض والشعب. كما أن القوانين الدولية نفسها، التي اعتذر البروفيسور حبيب عن تدريسها، تعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الإحتلال في مقاومته.

لذلك، فإن تحويل المقاومة إلى متهم داخلي، بدل مساءلة الاحتلال وجرائمه، يعكس إنقلابًا خطيرًا في الأولويات السياسية والقانونية.

ولقد أثبتت التجارب أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يتحركان وفق العدالة، بل وفق موازين القوى والمصالح الدولية.

فالفيتو الأمريكي كان حاضرًا دائمًا لحماية إس.رائي.ل من أي مساءلة، تمامًا كما جرى تعطيل أي محاسبة جدية للعدوان على لبنان أو الحصار والإبادة في غزة.

وهذا ما دفع البروفيسور حبيب إلى إعلان انهيار المنظومة الأخلاقية، التي يقوم عليها القانون الدولي بصيغته الحالية.

لكن الفرق الكبير أن الرجل اختار موقفًا أخلاقيًا واضحًا؛ إذ رفض الإستمرار في منح الطلاب وهمًا إسمه "عدالة دولية" بينما تُرتكب المجازر على الهواء مباشرة.

أما بعض المسؤولين العرب واللبنانيين، فيواصلون التمسك بخطاب "الشرعية الدولية" حتى بعدما أثبتت هذه الشرعية عجزها وإنحيازها الفاضح.

كان يمكن للسلطة اللبنانية، إذا كانت عاجزة عن حماية السيادة، أو وقف الاعتداءات أو الدفاع عن حقوق اللبنانيين، أن تتخذ موقفًا وطنيًا شجاعًا ينسجم مع القسم الدستوري، بدل الإنتقال إلى مرحلة الضغط لنزع عناصر القوة الداخلية بينما الإحتلال قائم.

فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يطالبون شعوبهم بالإستسلام، تحت عنوان الواقعية السياسية.

فقد تحوّل موقف البروفيسور كميل حبيب إلى شهادة أخلاقية في زمن الانهيار القيمي الدولي، وإلى صرخة مدوِّية تقول: "إن أخطر ما يواجه الشعوب ليس فقط العدوان الخارجي، بل أيضًا سقوط المعايير وازدواجية العدالة، عندما يصبح القانون أداة بيد الأقوياء بدل أن يكون حماية للمظلومين".

حضرة العميد البروفيسور كميل حبيب، عِشتَ مقاومََا لا مساومًا، ورافضًا لهيمنة القوة على قوة القانون.

وحين تيقنت أن القوة أصبحت سيدة العالم؛ آثرت أن تبقى شامخًا كشجر الأرز، صلبًا كجبال لبنان على أن تكون خائنًا لفكرك، معتقداتك والمادة التي تخصصت بها وتدرسها.

لقد كنت حضرة العميد رجل مبادئ، في زمن قلَّ فيه الرجال.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

20 أيار/مايو 2026