التحرر يعني أن نصبح كائنات غريبة عن هذه الأرض..!؟
مقالات
التحرر يعني أن نصبح كائنات غريبة عن هذه الأرض..!؟
عباس المعلم
4 كانون الثاني 2026 , 14:52 م


بقلم (عباس المعلم )

لم يعد الغرب بحاجة لاحتلال أرضنا، فالعقول باتت المستعمرة الأكثر استراتيجية ، الاحتلال الحديث لا يرفع أعلامًا، ولا يحتاج جنودًا، بل يزرع أنماطًا ذهنية ويعيد هندسة الإنسان من الداخل، ثم يتركه يظن أنه حر لأنه يتحرك داخل مساحة مُرخّصة مسبقًا.

منظومة الغرب بقيادة أميركا لم تُخضعنا بالقوة، بل بالتصميم البارد طويل النفس ، السيطرة لم تبدأ بالتكنولوجيا، بل في التعليم، الثقافة، تعريف النجاح، شكل الحلم، وصورة الإنسان “المقبول” عالميًا.

تمت السيطرة على سلاسل التوريد داخلنا تمامًا كما تُدار سلاسل التوريد العالمية ! من المصدر، إلى المعالجة، إلى التوزيع، إلى الاستهلاك.

في المصدر أعادوا تعريف المعرفة، فصار ما يُدرّس لنا لا يحرر، بل يُنتج موظفًا منضبطًا، مستهلكًا نشطًا، وعقلًا لا يسأل خارج المنهج ؟ أُفرغ التاريخ من سياقه، وفُصل العلم عن المعنى، وصار التفكير النقدي مهارة شكلية لا تقترب من الجذور ولا تهدد البنية.

في المعالجة، سيطر الإعلام، السينما، الخطاب الأكاديمي وصناعة “الخبير” محددين ما يُعد عقلانيًا وما يُصنَّف تطرفًا، وما يُكافأ وما يُقصى ويُشوَّه ! فلم يعودوا بحاجة لإسكات الأصوات، فالأصوات تعلمت كيف تُسكت نفسها.

في التوزيع تم فرض اللغة والمصطلحات والتصنيفات ديمقراطية، استقرار، مجتمع دولي، اعتدال ، كلمات نكررها بلا حق تعريفها خارج قاموسهم. من يخرج عن اللغة يُعزل، ومن يكسر السردية يُدان أخلاقيًا قبل أن يُدان سياسيًا.

في الاستهلاك، جعلونا نبتلع الأفكار كما نبتلع المنتجات ،، سريعًا، سطحيًا، بلا تراكم، بلا ذاكرة، بحيث قضية تبتلع أخرى وغضب يُستبدل بغضب، دون أن يتحول أي منهما إلى مشروع.

ثم جاءت التكنولوجيا كمسرّع نهائي ، الخوارزميات لم تصنع القيد، بل جعلته أدق، أعمق، وأقل وضوحًا، حوّلت الإنسان إلى نمط، والوعي إلى بيانات، والاختلاف إلى محتوى قابل للتدوير.

الأخطر أن السيطرة شملت الإيمان والمعتقدات نفسها ! لم تُمحَ أو تُلغَ، بل جرى احتواؤها وتدجينها ، حُشر الإيمان داخل الفضاء نفسه، مفصولًا عن الفعل، مُفرغًا من قدرته على التغيير، محاصرًا داخل طقوس لا تُزعج النظام. حتى التسبيح حوّلوا له آلة عدّ، فأصبح رقماً، إيقاعًا ميكانيكيًا، عادة تُمارس بلا حضور، كي لا يتحول الذكر إلى وعي، ولا الإيمان إلى موقف.

بهذا سلمنا سيادتنا، ليس فقط مقابل سرعة الاتصال، بل مقابل القبول، مقابل الانتماء إلى “العالم”، مقابل وهم الحداثة ، أُقنعنا أن من يرفض هذا النموذج متخلف، خطر، أو خارج التاريخ.

حتى ثوراتنا خضعت للسلسلة نفسها شعارات مستوردة، لغة مُدارة، سقف محدد، ثم استهلاك وتفريغ ! غضب بلا بنية، حركة بلا نظرية، وصدام بلا أفق.

اليوم، نحن لسنا جاهلين، بل منزوعي الجذور ، نعرف كل شيء عن العالم، لكننا بلا القدرة على التأثير فيه ! نعيش داخل فضاء واسع ظاهريًا، مغلق فعليًا، متحكم به عن بُعد.

نخشى الخروج منه عن قرب، لأنهم أقنعونا أن الانفصال يعني العزلة، وأن التحرر يعني أن نصبح كائنات غريبة عن هذه الأرض ،، هكذا صار القيد مألوفًا، وصار الخروج منه مغامرة وجودية، لا سياسية فقط.

والحقيقة الأقسى؟ نحن لم نُهزم بعد ! لم تُكسر إرادتنا، ولم يُلغَ احتمال الكسر ، نحن فقط تأقلمنا مع القيد، تعلمنا كيف نعيش داخله، نفسره، وندافع عنه أحيانًا باسم الواقعية والعقلانية ، لكن التأقلم ليس قدرًا، والقيد مهما بدا ناعمًا يبقى قيدًا، والإنسان الذي يُستعاد وعيه، إيمانه، ومعناه… أخطر على هذه المنظومة من أي سلاح.

عباس المعلم - كاتب سياسي