ستفعلها اسرائيل..؟! (اكسيوس - عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين نقلت إن إدارة ترامب طلبت من إسرائيل عدم قصف مطار بيروت أو منشآت الدولة).
مقالات
ستفعلها اسرائيل..؟! (اكسيوس - عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين نقلت إن إدارة ترامب طلبت من إسرائيل عدم قصف مطار بيروت أو منشآت الدولة).
عباس المعلم
14 آذار 2026 , 07:39 ص


إن القراءة المتأنية لهذا النوع من التسريبات لا تكتفي بظاهر العبارة، بل تتجاوزها إلى ما يختبئ خلف طبقات اللغة السياسية. فحين يُسرَّب طلب كهذا عبر “مسؤول رفض الكشف عن اسمه”، يصبح الخبر في كثير من الأحيان تمهيداً نفسياً وإعلامياً لسيناريو معاكس تماماً. فالتجارب السابقة علّمتنا أن مثل هذه الإشارات لا تُطلق عبثاً؛ بل تُستعمل أحياناً كستار دخاني يسبق الفعل، أو كعملية تموضع استباقية في مسرح السردية الدولية.

واللافت في الخبر أنه لم يتضمّن أي موقف إسرائيلي واضح تجاه هذا الطلب: لا قبولاً ولا رفضاً، ولا حتى تعهداً ضمنياً بالامتناع. كما لم يرد فيه ما يفيد بأن الولايات المتحدة تضمن فعلياً عدم وقوع مثل هذا الاستهداف. وبين الطلب والضمان مسافة سياسية واسعة، غالباً ما تُملأ لاحقاً بالوقائع على الأرض.

ثم إن السؤال الجوهري يفرض نفسه: أليست إسرائيل قد باشرت بالفعل استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية؟

فالقصف الذي طال الطرقات الحيوية والجسور الاستراتيجية، والتي شكّلت شرايين وصل بين جنوب الليطاني وشماله، أدى عملياً إلى فصل جغرافي ووظيفي بين المنطقتين. وهذه الطرق والجسور ليست منشآت عسكرية، بل جزء أصيل من البنية التحتية السيادية للدولة اللبنانية.

فهل تُعدّ هذه المنشآت خارج تعريف “منشآت الدولة”؟ أم أن مفهوم البنية التحتية يصبح انتقائياً في الخطاب الدولي، بحيث يُستحضر فقط عندما يتعلق الأمر بمناطق بعينها، أو بما يُسمّى تاريخياً بفضاء “الدولة العميقة” ومناطق المتصرفية؟

إن ما يجري يطرح سؤالاً أعمق من مجرد خبر عابر؟ هل نحن أمام محاولة استباقية لصياغة رواية سياسية تسبق الضربة، بحيث يبدو أي استهداف لاحق وكأنه حدث خارج الإرادة الأميركية المعلنة؟ أم أننا أمام لعبة الرسائل المزدوجة التي اعتادتها المنطقة، حيث تُقال الجملة لطمأنة العلن، فيما تُترك الأبواب مفتوحة على احتمالات النار؟

في السياسة الدولية، كثيراً ما تكون الكلمات ظلاً لما يُحضَّر في العتمة، لا نقيضاً له. ولهذا فإن مثل هذه التسريبات، بدل أن تبدّد القلق، قد تكون في ذاتها مؤشراً مبكراً على أن شيئاً ما يُطبخ في الغرف المغلقة، وأن المطار وسواه من منشآت الدولة قد يتحول في أي لحظة إلى بندٍ في بنك الأهداف، إذا اقتضت الحسابات العسكرية أو الرسائل الإقليمية ذلك.

عباس المعلم - كاتب سياسي