دولة تُفاوض على العدالة..
تتحوّل قضية العفو العام في لبنان، مع كل استحقاق سياسي أو انتخابي أو طائفي، إلى مادة سجالية موسمية تُستحضر عند الحاجة وتُجمَّد عند انتفائها، وكأنّ العدالة في الدولة ليست منظومة قانونية ثابتة، بل أداة قابلة للتكييف وفق موازين النفوذ والتوازنات الداخلية. والمشكلة في جوهرها لا تكمن في مبدأ العفو بحدّ ذاته، إذ إنّ العفو، بأشكاله المختلفة، يُعدّ إجراءً قانونيًا معمولًا به في عدد كبير من دول العالم ضمن ضوابط دستورية وقضائية صارمة، وغالبًا ما يُستخدم بعد الحروب أو الأزمات الكبرى أو في سياقات المصالحة الوطنية الشاملة. غير أنّ خطورة النموذج اللبناني تتمثّل في المعايير الانتقائية التي تُطرح تحت عنوان “العفو العام”، وفي تحويله من أداة استثنائية مرتبطة بمقتضيات العدالة العليا إلى سلعة سياسية وطائفية تخضع لمنطق المحاصصة والابتزاز وتبادل المصالح.
الأصل في أي دولة تحترم نفسها أن يكون القضاء سريعًا وعادلًا وفاعلًا، وأن تُحسم ملفات الموقوفين والمحكومين ضمن مهَل قانونية واضحة تكفل حقوق المتهمين وحقوق المجتمع في آنٍ معًا. أما أن تبقى السجون مكتظة بآلاف الموقوفين لسنوات طويلة من دون محاكمات مكتملة أو أحكام نهائية، فهذا ليس خللًا عابرًا، بل دليل فاضح على عطب بنيوي تتحمّل مسؤوليته السلطة التنفيذية ووزارة العدل والسلطة القضائية مجتمعة. فالتأخير الممنهج في المحاكمات، وتعطيل التشكيلات القضائية، والنقص الحاد في البنية القضائية والسجنية، كلّها عوامل أنتجت أزمة عدالة حقيقية، لا تُعالَج بعفوٍ سياسي، بل بإصلاحٍ قضائي جذري.
وفي التجارب القانونية المقارنة، لا تُبنى العدالة على قاعدة “إطفاء الملفات” كلما تعقّدت سياسيًا، بل على قاعدة المحاسبة وتسريع الإجراءات وضمان المساواة أمام القانون. ففي الدول التي تُصنَّف ضمن الأنظمة القضائية المستقرة، يُعتبر طول التوقيف من دون محاكمة انتهاكًا خطيرًا لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ما يدفع السلطات إلى إصلاح القضاء وتطوير آليات المحاكمة، لا إلى فتح أبواب العفو الشامل بصورة دورية. حتى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شدّدت مرارًا على أنّ العدالة المتأخرة هي شكل من أشكال إنكار العدالة، وهو مبدأ قانوني بات راسخًا في الفقه الدستوري الحديث.
أما تحويل ملف العفو العام إلى قضية ذات أبعاد طائفية ومذهبية، وإخضاعه لمنطق التوازنات بين المناطق والطوائف، فهو من أخطر أشكال تقويض مفهوم الدولة نفسها، لأنّ العدالة لا تُجزَّأ على أساس الانتماء، ولا تُقاس بعدد المقاعد النيابية أو حجم النفوذ السياسي. فحين يشعر المواطن أنّ القانون يُطبَّق على فئة ويُعلَّق على أخرى، وأنّ العقوبة يمكن أن تسقط بفعل التسويات، تتحوّل الدولة تدريجيًا إلى كيان فاقد لهيبته القانونية والأخلاقية. والأسوأ من ذلك أنّ هذا النهج يوجّه رسالة ضمنية مفادها أنّ الخروج على القانون قد يصبح قابلًا للتفاوض مستقبلًا إذا توافرت الحماية السياسية أو المذهبية المناسبة.
إنّ المدخل الطبيعي لأي معالجة جدّية لا يكون عبر “عفو غبّ الطلب”، بل عبر خطة وطنية لإصلاح القضاء وتسريع المحاكمات ومعالجة أوضاع السجون وتفعيل التفتيش القضائي وضمان استقلالية السلطة القضائية عن التدخلات السياسية. فالعدالة لا تُبنى بالعفو الانتقائي، بل بتطبيق القانون بعدالة وحزم وشفافية.
وفي المقابل، فإنّ أي دولة تسعى فعلًا إلى ترسيخ مفهوم السيادة والعدالة لا يمكنها المساواة بين الجرائم العادية والجرائم التي تمسّ الأمن القومي والجيش والمجتمع. فمن المبادئ المستقرة في أغلب التشريعات المقارنة أنّ الجرائم المرتبطة بالإرهاب، وقتل العسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية، والاتجار المنظّم بالمخدرات، والتعامل مع العدو، تُصنَّف ضمن الجرائم الخطيرة التي لا يجوز التساهل معها، نظرًا لما تمثّله من تهديد مباشر لبنية الدولة وأمن المجتمع. ولذلك، فإنّ العفو عن قتلة العسكريين المنتمين إلى الجماعات التكفيرية، أو عن شبكات المخدرات الكبرى، أو عن العملاء المتورطين بالتعامل مع إسرائيل، لا يمكن تقديمه بوصفه “تسوية وطنية”، بل يُنظر إليه كضربٍ لهيبة الدولة ولحق الضحايا ولأساس العدالة نفسه.
وفي العديد من الدول، تُشدَّد العقوبات في الجرائم التي تستهدف الجيش أو الأمن القومي تحديدًا، لأنّ الدولة تعتبر الاعتداء على مؤسساتها الأمنية اعتداءً على الكيان العام لا على أفراد فقط. ومن هنا، فإنّ الحدّ الأدنى المطلوب في أي مقاربة جدّية للعدالة في لبنان هو الفصل بين معالجة أزمة التوقيف والمحاكمات وبين محاولة تبييض صفحات جرائم خطيرة تحت عناوين سياسية أو انتخابية أو خارجية. فالدولة التي تعفو عن القتلة والخونة وتُهمل إصلاح القضاء، لا تبني عدالة، بل تُنتج بيئة مفتوحة للفوضى وتكرار الجريمة وانهيار الثقة بالقانون.
عباس المعلم - كاتب سياسي