الشرق الأوسط على حافة معادلة جديدة: من تقاسم الأدوار إلى خطر الانفجار الشامل.
مقالات
الشرق الأوسط على حافة معادلة جديدة: من تقاسم الأدوار إلى خطر الانفجار الشامل.
موسى عباس
12 حزيران 2026 , 12:17 م

كتب: موسى عباس

كشفت التطورات الأخيرة أنّ منطقة الشرق الأوسط لم تعد تسير وفق إيقاع الرسائل الدبلوماسية المكرّرة، بل دخلت مرحلة كسر العظام؛ حيث برزت خطابات متوازية تسحب المنطقة نحو مسار الانفجار، في ظل انقسام لبناني حاد بين نهج "المقاومة والسيادة" ونهج "الارتهان للإملاءات".

أولاً: واشنطن وتل أبيب.. رقصة توزيع الأدوار وفن الخداع الاستراتيجي

غالباً ما تُقرأ تصريحات دونالد ترامب النارية، وتناقضها الظاهري مع الخطاب الدبلوماسي لوزارة الخارجية، بوصفها انقساماً أو خلافاً استراتيجياً. لكن القراءة العميقة للمشهد تُظهر أن ما نشهده هو "توزيع أدوارٍ مُحكم"، حيث يعمل الطرفان ضمن منظومة واحدة تتقن فن الخداع.

ترامب، بسعيه لتقديم نفسه "كرجل سلام" يفرض الصفقات، ونتنياهو، بلعبه دور "المحارب الذي لا يلين"، يمارسان تكاملاً وظيفياً يخدم أجندة الطرفين قبل الانتخابات؛ فكلاهما يحتاج إلى "نصرٍ مرحلي" يُسوِّقه لناخبيه. إن التباين في الخطاب ليس سوى "واجهة" لتمرير مراحل التصعيد، بانتظار اللحظة التي يقرر فيها الطرفان الانقضاض لتحقيق مكاسب استراتيجية شاملة، وهو ما يجعل "الخلافات" مجرد تكتيكات لتهيئة الرأي العام، لا تراجعاً عن استراتيجية الهيمنة.

ثانياً: المشهد اللبناني.. صراع الإرادات ورهانات الخروج

يُعدّ الموقف اللبناني اليوم ساحة صراع بين ثلاثة اتجاهات متناقضة:

نهج المقاومة:يمثله سياسيّاً الرئيس نبيه بري، الذي أعلن رفضه القاطع "لاتفاق واشنطن الهجين"، معتبراً إياه فخّاً لا يستحق النقاش، ومتمسكاً بوقف إطلاق نار شامل وغير مشروط براً وبحراً وجوّاً، مع انسحاب متوازٍ. هذا الموقف يأتي بتنسيق وثيق مع قيادة حزب الله، رافضاً أي إملاءات خارجية.

نهج السلطة والمعارضة: يبرز جوزف عون ونواف سلام كطرفين يتبنيان مواقف لا تلتقي مع خيار المقاومة؛ حيث يمارس عون ضغوطاً وتهديدات مبطنة ومعلنة ضد حزب الله، بينما يواصل سلام دعواته لحصر السلاح، وهو ما يراه "الثنائي الوطني" تواطؤاً مع الضغوط الأمريكية لإضعاف الموقف اللبناني المفاوض الذي لا يستند إلى أي أوراق ضغط في مواجهة الصهاينة.

"الارتهان الأمريكي":يظل السفير الأمريكي في بيروت يدير "ألاعيب دبلوماسية" تهدف لفرض شروط الكيان الصهيوني تحت ستار "السيادة اللبنانية"، بينما يتصدى له الرئيس برّي والمقاومة كخط دفاع أخير عن القرار الوطني.

ثالثاً: المحور المقاوِم وسقوط "الرهان السوري"

على الصعيد الإقليمي، أثبتت التطورات أن إيران تدير "غرفة عمليات" تنسيقية مباشرة مع حلفائها في اليمن، لبنان، والعراق، لإدارة الردع العملي. وفي هذا السياق، لم يعد لسوريا أي دور في هذا التحالف بأي شكل من الأشكال؛ بل على النقيض ،فقد أظهر النظام الحاكم في سوريا موقفاً متضامناً مع التهديدات الصهيونية للمقاومة في لبنان، مفضلاً سياسة "الحياد السلبي" أو التماهي الضمني مع الضغوط لتقويض دور المقاومة.

أكملت صنعاء الصورة بالانتقال من البيانات إلى الفعل: حظرٌ ملاحيٌّ في البحر الأحمر، وضرباتٌ بلغت يافا، لتؤكد أن الردع أصبح متعدد الجبهات، خارجاً عن سيطرة واشنطن أو حسابات النظام السوري.

رابعاً: السيناريوهات.. بين الاحتواء والانفجار

إذا جمعنا المعطيات، تبرز ثلاثة سيناريوهات للأشهر المقبلة:

1. احتواء هش: تهدئة مؤقتة يفرضها الواقع الميداني دون التوصل لاتفاق حقيقي، ريثما تنضج الحسابات الانتخابية لترامب.

2. تصعيد محدود:استمرار "حرب الاستنزاف" بين المقاومة والكيان الصهيوني، مع محاولات لفرض واقع جغرافي جديد يرفضه برّي قطعياً.

3. انفجار شامل: وقوع "حادثة

ميدانية" قد تُخرج الأمور عن السيطرة؛ فإذا تجاوز الكيان الصهيوني الخطوط الحمراء في الضاحية أو تجاه إيران، ستجد المنطقة نفسها أمام حربٍ شاملة لا تستثني أحداً.

وكما قال د.حسن أحمديان:

‏"انتهى زمنُ الصبرِ الاستراتيجي، ولا عودةَ إلى الوراء. إيرانُ وحلفاؤها معنيون بفرضِ القواعدِ الجديدةِ وتثبيتِها أمامَ عدوِّهم، ولا أَراهم متراجعين. فالتراجعُ أمامَ أَصحابِ الإبادةِ سينتجُ إبادةً في طولِ المنطقةِ وعرضِها. أَمَّا المقاومةُ، فهي الفعلُ الحضاريُّ الوحيدُ ذو الجَدْوَى"

ما تشهده المنطقة اليوم هو تغييرٌ جذري في معادلة الردع. لقد سقط قناع "الوسيط الأمريكي"، وتعرّت مواقف الأطراف المحلية التي تراهن على الخيار الصهيو-أمريكي. إن مفتاح الحرب أو التهدئة اليوم بات محصوراً بين قرار المقاومة في الميدان، وقرار طهران في الاستراتيجيا، بينما يغرق الآخرون في ضجيج "الاتفاقات الهجينة" التي لن تزيد لبنان إلا ضعفاً، ولن تمنح نتنياهو وترامب إلا سراباً من "الانتصارات" التي ستنكسر على صخرة الصمود.