يُعد الاكتئاب من الاضطرابات النفسية المعقدة والشخصية للغاية. ورغم أن معظم الناس يمرون بفترات من الحزن أو انخفاض المزاج أو الحزن الطبيعي، فإن اضطراب الاكتئاب الشديد يختلف عن ذلك، إذ يكون مستمراً ويؤثر في الأنشطة اليومية والعمل والعلاقات والحياة بشكل عام.
وتشير الإحصاءات إلى أن شخصاً واحداً من كل خمسة أشخاص قد يعاني من الاكتئاب خلال حياته. كما أن النساء أكثر عرضة للإصابة به مقارنة بالرجال، حيث تصل النسبة إلى نحو الضعف، ويبدأ هذا الفرق عادة مع مرحلة البلوغ ويستمر حتى مرحلة البالغين.
لا يوجد سبب واحد واضح للاكتئاب
تشير الدراسات إلى أن الاكتئاب لا ينتج عن عامل واحد، بل عن مجموعة من العوامل المتداخلة، منها كيمياء الدماغ، والعوامل الوراثية، والهرمونات، والضغط النفسي، ونمط الحياة، والسمات الشخصية. ويختلف تأثير هذه العوامل من شخص إلى آخر.
هل يعود الاكتئاب إلى خلل كيميائي في الدماغ؟
ظهرت في خمسينيات القرن الماضي نظرية تُعرف باسم "فرضية المونوأمين"، والتي اقترحت أن الاكتئاب يحدث بسبب نقص بعض النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين.
وبناءً على هذه النظرية، تم تطوير العديد من مضادات الاكتئاب التي تعمل على زيادة مستويات هذه المواد في الدماغ، خصوصاً السيروتونين.
لكن الأبحاث الحديثة أظهرت أن تفسير "اختلال التوازن الكيميائي" مبسط بشكل مفرط. إذ لم تجد الدراسات دليلاً ثابتاً على أن جميع المصابين بالاكتئاب لديهم انخفاض في مستويات السيروتونين أو أي ناقل عصبي واحد.
كما أن مضادات الاكتئاب قد ترفع مستوى السيروتونين بسرعة، بينما يستغرق تحسن المزاج أياماً أو أسابيع، ما يشير إلى أن الاكتئاب لا يمكن تفسيره بمستويات النواقل العصبية فقط.
واليوم يُنظر إلى الاكتئاب على أنه اضطراب معقد يتأثر بعوامل متعددة، مثل الوراثة والصدمات النفسية والأدوية والتغذية والنوم والتفاعلات الاجتماعية.
دور العوامل الوراثية في زيادة خطر الإصابة
تشير مراجعات علمية إلى أن نحو 30 إلى 50% من خطر الإصابة بالاكتئاب قد يكون موروثاً.
ولم يتم اكتشاف "جين واحد" مسؤول عن الاكتئاب، لكن الدراسات واسعة النطاق حددت أكثر من 100 مؤشر وراثي مرتبط بزيادة الخطر. ويُعتقد أن الاكتئاب اضطراب متعدد الجينات، أي أن عدة متغيرات جينية صغيرة تتفاعل معاً لتحديد مستوى الخطر.
كما تشير دراسات حديثة إلى وجود تداخل كبير في العوامل الوراثية بين الرجال والنساء، إلا أن النساء المصابات بالاكتئاب يحملن في المتوسط عدداً أكبر من هذه المتغيرات الجينية.
ومع ذلك، فإن وجود عوامل وراثية لا يعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب، لأن التفاعل بين الوراثة والعوامل البيئية يلعب دوراً أساسياً.
تأثير الهرمونات والفروق بين الجنسين
تلعب الهرمونات دوراً مهماً في المزاج والصحة النفسية. لدى النساء، تتغير مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون خلال الدورة الشهرية والحمل وفترة ما بعد الولادة وسن اليأس.
وقد أظهرت الدراسات أن بعض النساء أكثر حساسية لهذه التغيرات، مما يزيد احتمال اضطرابات المزاج.
فعلى سبيل المثال، تعاني نحو 8% من النساء من اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي الشديد، الذي يتضمن تقلبات مزاجية حادة وتهيجاً.
كما أن التغيرات الهرمونية الكبيرة أثناء الحمل وبعد الولادة قد تؤدي إلى اكتئاب ما بعد الولادة، خاصة مع قلة النوم والضغط النفسي.
وفي مرحلة انقطاع الطمث، قد يؤدي انخفاض الإستروجين إلى زيادة خطر الاكتئاب أو تفاقم الأعراض.
كما ارتبطت بعض وسائل منع الحمل الهرمونية بتغيرات المزاج، ويعد ذلك سبباً شائعاً لتوقف النساء عن استخدامها.
أما لدى الرجال، فتركز الأبحاث على الدور الوقائي المحتمل لهرمون التستوستيرون، لكن النتائج لا تزال غير حاسمة.
الضغط النفسي وتأثيره على الدماغ
يُعد الضغط النفسي المزمن عاملاً مهماً في ظهور الاكتئاب. فعند التعرض للضغط، ينشط نظام الاستجابة للتوتر في الجسم، المعروف بمحور الوطاء والغدة النخامية والغدة الكظرية.
لكن التعرض المستمر أو الشديد للضغط قد يؤدي إلى اضطراب هذا النظام. كما أن التجارب الصادمة في الطفولة، مثل الإهمال أو العنف، قد تزيد من خطر الإصابة.
ويؤدي ذلك إلى زيادة إنتاج هرمون الكورتيزول، الذي يمكن أن يؤثر في مناطق مهمة في الدماغ مسؤولة عن تنظيم المزاج والذاكرة.
كما قد يسبب الكورتيزول إفراز مواد التهابية تؤثر في الدماغ، ما يؤدي إلى تغيرات في المزاج وظهور أعراض الاكتئاب.
ومع ذلك، لا يصاب جميع الأشخاص الذين يواجهون ضغوطاً بالاكتئاب، إذ تلعب عوامل الوراثة والمرونة النفسية دوراً مهماً في الحماية.
دور السمات الشخصية في القابلية للإصابة
تؤثر السمات الشخصية في كيفية تعامل الأفراد مع التوتر. فالأشخاص الذين يميلون إلى القلق والحزن والشك في الذات يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، خاصة بعد الأحداث الضاغطة.
في المقابل، تساعد صفات مثل التفاؤل والمرونة والاستقرار العاطفي على تقليل خطر الإصابة.
نمط الحياة الصحي يقلل خطر الاكتئاب
تشمل العوامل الوقائية عدم التدخين، وتقليل استهلاك الكحول، واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني، والحصول على نوم كافٍ، والحفاظ على وزن صحي، ووجود دعم اجتماعي.
وتشير الأبحاث إلى أن هذه العادات يمكن أن تحسن الصحة النفسية وتقلل تأثير العوامل الوراثية المرتبطة بالاكتئاب.
الاكتئاب حالة فردية ولا يوجد علاج واحد للجميع
ينتج الاكتئاب عن تفاعل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، ولذلك تختلف طرق العلاج حسب شدة الحالة والتاريخ الصحي واستجابة المريض للعلاج.
ورغم التقدم العلمي في فهم هذا الاضطراب، فإن تجربة كل شخص مع الاكتئاب تبقى فريدة، ما يستدعي اتباع نهج علاجي شخصي ومتكامل.