علاج السيكوباتيين وتقليل السلوك العنيف
دراسات و أبحاث
علاج السيكوباتيين وتقليل السلوك العنيف
23 شباط 2026 , 16:18 م

تشير التقديرات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من  الشخصية السيكوباتية يمثلون نحو 1% فقط من عامة السكان، إلا أنهم مسؤولون عن نسبة أكبر من الجرائم العنيفة مقارنة بغيرهم.

وتتميز السيكوباتية عن حالات أخرى مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع بسمات محددة، منها غياب الشعور بالذنب أو الندم، وضعف التعاطف مع الآخرين، إضافة إلى أسلوب تواصلي جذاب ومناور.

لماذا يصعب تصور تغيير السيكوباتيين؟

قد يبدو من الصعب تخيل أن شخصاً يفتقر إلى التعاطف يمكن أن يتغير. كما أن العلاجات النفسية المبكرة لم تحقق نجاحاً يُذكر. إلا أن التقدم العلمي في فهم هذا الاضطراب بدأ يفتح آفاقاً جديدة لتطوير تدخلات أكثر فاعلية.

فالأشخاص الذين تظهر لديهم سمات السيكوباتية غالباً ما يواجهون صعوبة في الاستجابة لمعاناة الآخرين، مثل عدم القدرة على التعرف إلى تعبيرات الخوف أو الحزن في الوجوه.

وعادةً ما يستجيب معظم الناس تلقائياً لرؤية شخص يتألم، حيث ترتفع ضربات القلب أو يحدث تعرق نتيجة الاستثارة الفسيولوجية. لكن هذه الاستجابات تكون ضعيفة أو غائبة لدى السيكوباثيين.

وقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2019 أن السجناء ذوي السمات السيكوباتية العالية أظهروا انخفاضاً في التفاعل الجسدي عند مشاهدة وجوه تعبر عن الخوف، كما لم تتغير حدقة العين لديهم بشكل واضح، وهو مؤشر على ضعف الاستجابة العاطفية.

تأثير هذه السمات في السلوك

تشير هذه الفروق إلى أن بعض الأشخاص قد يجدون صعوبة في إدراك تأثير أفعالهم في مشاعر الآخرين، مما يزيد احتمال السلوك العدواني أو الإجرامي.

وغالباً ما يُدمج الأفراد ذوو السمات السيكوباتية في برامج علاج داخل السجون أو المستشفيات النفسية المتخصصة بهدف تقليل خطر العودة إلى الجريمة.

وقد أظهرت بعض البرامج السلوكية المعرفية نتائج محدودة في خفض معدلات إعادة ارتكاب الجرائم، سواء لدى السيكوباثيين أو غيرهم من ذوي اضطرابات الشخصية.

برامج علاجية لم تحقق النجاح

لكن ليس جميع هذه البرامج كانت فعالة. ففي المملكة المتحدة، فشل برنامج علاج مرتكبي الجرائم الجنسية الأساسي، الذي طُبق منذ التسعينيات، في تقليل إعادة ارتكاب الجرائم، مما أثار جدلاً واسعاً.

وفي وقت لاحق، تم تطوير برنامج جديد يركز على بناء المهارات وتعزيز نقاط القوة وإدارة المشاعر وبناء علاقات صحية وإيجاد هدف في الحياة، وقد أظهر مؤشرات أولية إيجابية.

لماذا ساد التشاؤم بشأن علاج السيكوباتية؟

تاريخياً، اعتقد كثير من الباحثين أن هذه البرامج أقل فعالية لدى السيكوباتيين. كما أشارت بعض الدراسات إلى أن بعض الحالات قد تسوء بعد العلاج.

ومن أشهر الأمثلة برنامج عُرف باسم "الكبسولة المواجهة الكاملة" في كندا خلال الستينيات والسبعينيات، حيث خضع المشاركون لظروف قاسية ومهينة دون موافقة كاملة، مع نقص في الإشراف المهني. وقد ساهمت هذه التجارب في زيادة التشاؤم بشأن إمكانية العلاج.

لكن يرى الباحثون اليوم أن هذه الأساليب كانت غير أخلاقية وغير علمية، وبالتالي لا تعكس فعالية العلاجات الحديثة.

تقدم في علاج اضطرابات الشخصية

كان التشاؤم سائداً أيضاً في علاج اضطرابات الشخصية الأخرى، لكن الوضع تغير مع ظهور علاجات حديثة. فقد أثبت العلاج السلوكي الجدلي فعاليته في تقليل إيذاء النفس لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدية.

كما أظهرت دراسات حديثة أن العلاج القائم على تنمية القدرة على فهم المشاعر وتنظيمها أدى إلى انخفاض السلوك العدواني لدى مرضى اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

وتشير هذه النتائج إلى أن التدخلات المصممة خصيصاً لكل اضطراب تكون أكثر فعالية.

هل السيكوباتيون غير قادرين على التعاطف؟

من المفاهيم الشائعة أن السيكوباثيين لا يستطيعون التعاطف إطلاقاً. لكن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أنهم قد يفتقرون إلى الدافع للتعاطف أكثر من افتقارهم للقدرة عليه.

ففي دراسة تصوير دماغي عام 2013، أظهرت النتائج أن أدمغة السيكوباثيين قد تُظهر استجابة تعاطفية عندما يُطلب منهم عمداً التفكير في مشاعر الآخرين، رغم غياب هذه الاستجابة تلقائياً.

وقد يكون تعزيز هذا الجانب خطوة مهمة في العلاج، إذ يساعدهم على فهم تأثير أفعالهم في الآخرين.

التدخل المبكر لدى الأطفال قد يكون الأكثر فاعلية

تشير الأدلة الأكثر تفاؤلاً إلى أهمية التدخل المبكر لدى الأطفال والشباب. ورغم أن تشخيص السيكوباتية لا يتم قبل سن 18 عاماً، إلا أنه يمكن تقييم سمات مثل القسوة وضعف المشاعر لدى الأطفال في سن مبكرة.

وأظهرت دراسة عام 2018 أن تعديل برامج تدريب الوالدين للأطفال المعرضين للخطر، مع التركيز على الدفء والدعم والتشجيع بدلاً من العقاب، أدى إلى انخفاض واضح في المشكلات السلوكية والعدوان.

كما أظهرت دراسة عام 2022 تحسناً في السلوك والعلاقات لدى المراهقين بعد تدخلات تعتمد على تعزيز نقاط القوة بدلاً من العقاب.

مستقبل أكثر تفاؤلاً في العلاج

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص ذوي السمات السيكوباتية قد يكونون قادرين على التغيير، خاصة مع التدخلات المبكرة والعلاج المصمم بشكل فردي.

ويرى الباحثون أن السؤال لم يعد ما إذا كان السيكوباثيون يمكن أن يتغيروا، بل كيف يمكن تحسين طرق العلاج لمساعدتهم على ذلك وتقليل السلوك العنيف في المجتمع.


المصدر: The Conversation