الحلف السداسي : مشروع نتنياهو الجديد لإعادة هندسة الشرق الأوسط
مقالات
الحلف السداسي : مشروع نتنياهو الجديد لإعادة هندسة الشرق الأوسط
مهدي مبارك عبد الله
24 شباط 2026 , 19:57 م

د. مهدي مبارك عبد الله

على نحو غير مستغرب أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح فكرة إنشاء تحالف إقليمي سداسي يمتد حول الشرق الأوسط وداخله في خطوة تعكس تحولات عميقة في الرؤية الإسرائيلية لطبيعة الصراع وترتيبات الأمن الإقليمي والإعلان جاء في توقيت حساس تتقاطع فيه التحديات الأمنية مع حسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية ومع إعادة تشكل موازين القوى في الإقليم

التحالف الذي تحدث عنه نتنياهو يضم وفق تصريحاته كل من الهند واليونان وقبرص إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمها بشكل صريح ويأتي ذلك قبيل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل ما يمنح الإعلان بعدا سياسيا واستعراضيا يتجاوز الإطار النظري إلى محاولة تدشين مسار عملي جديد

من حيث التوقيت يمكن قراءة الإعلان في ثلاثة سياقات متداخلة السياق الأول داخلي يرتبط بالاستحقاقات السياسية في إسرائيل حيث يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه كقائد قادر على هندسة تحالفات عابرة للقارات تعزز موقع إسرائيل وتمنحها عمقا استراتيجيا جديدا والسياق الثاني إقليمي يتمثل في تصاعد التوتر مع إيران وتنامي أدوار فاعلين إقليميين آخرين وهو ما يدفع تل أبيب إلى البحث عن مظلة تحالفية أوسع السياق والثالث فهو دولي يرتبط بإعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة والممرات البحرية من آسيا إلى أوروبا في ظل تنافس القوى الكبرى

الأهداف المعلنة للتحالف تتمثل في مواجهة ما وصفه نتنياهو بمحاور راديكالية شيعية وسنية وهو توصيف أثار جدلا واسعا لكونه يعيد تعريف الصراع بمرجعية مذهبية غير أن القراءة الجيوسياسية تكشف عن أهداف أعمق تتعلق بتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط وبناء شبكة تعاون أمني وتقني واستخباراتي تمنح إسرائيل موقعا محوريا في أي ترتيبات إقليمية قادمة كما يسعى الطرح إلى تحويل إسرائيل من طرف في صراع إلى عقدة ربط بين آسيا وأوروبا عبر شراكات استراتيجية

على المستوى الاقتصادي يمكن أن يشكل التحالف منصة لتكامل مشاريع البنية التحتية والطاقة والربط البحري والرقمي بما يعزز دور الهند في الوصول إلى المتوسط ويمنح اليونان وقبرص ثقلا إضافيا في معادلات الغاز والطاقة بينما تستفيد بعض الدول العربية من شراكات تكنولوجية وأمنية متقدمة أما إسرائيل فترى في ذلك فرصة لكسر العزلة الإقليمية وترسيخ حضورها كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه

الموقف الدولي وخصوصا الأمريكي يبدو منسجما مع أي ترتيبات تعزز شبكة الحلفاء في مواجهة النفوذ الإيراني والصيني والروسي وقد صدرت إشارات إيجابية من السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بما يعكس تقاطعا في الرؤية العامة وإن كانت واشنطن تميل عادة إلى إدارة التحالفات ضمن أطر أوسع تضمن الاستقرار وعدم الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة

رغم كل ذلك يظل نجاح التحالف رهنا بمدى استعداد الدول المعنية للانتقال من مستوى التصريحات الى مرحلة الالتزامات العملية خاصة وان المعادلات الإقليمية لا تختزل في ثنائية سني شيعي والتحالفات في الشرق الأوسط غالبا ما تتشكل وفق المصالح المتغيرة وليس الاصطفافات الثابتة كما أن غياب إعلان رسمي من بقية الدول المعنية يطرح تساؤلات حول مدى نضج الفكرة وتحولها إلى واقع

واقعيا لا يمكن فهم التحالف السداسي المقترح بعيدًا عن صراع الممرات البحرية وخطوط التجارة العالمية فالمسار الممتد من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر ثم شرق المتوسط يمثل شريانًا حيويًا لحركة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا ومن هنا تبرز أهمية إشراك الهند واليونان وقبرص في شبكة تعاون أمني وتقني قد تهدف إلى حماية هذه المسارات وتأمينها في مواجهة أي تهديدات محتملة سواء من إيران أو من قوى إقليمية أخرى مثل تركيا ويعني ذلك أن التحالف ليس مجرد اصطفاف سياسي بل مشروع لإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة بما يمنح إسرائيل موقع العقدة المركزية في هذا الربط العابر للقارات

اما حول انعكاسات التحالف على القضية الفلسطينية في حال تطور هذا التحالف إلى إطار عملي متماسك فإن أحد أبرز تداعياته قد يكون إعادة ترتيب الأولويات الدولية في الشرق الأوسط بحيث تتقدم ملفات الأمن والطاقة والتجارة على حساب القضية الفلسطينية إذ إن إدماج إسرائيل في شبكة مصالح استراتيجية مع قوى إقليمية ودولية قد يساهم في تحويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من ملف مركزي إلى ملف مؤجل ضمن معادلات أوسع وهو ما يثير مخاوف من تكريس واقع سياسي جديد يقوم على إدارة الصراع بدل حله خاصة في ظل غياب أي إشارات إلى مسار تفاوضي جاد

يبقى السؤال الجوهري هل سينجح هذا التحالف في أداء مهامه الإجابة مرهونة بعدة عوامل أولها مدى استعداد الدول المعنية لتحويل التصريحات إلى التزامات عملية وثانيها طبيعة الأهداف هل هي أمنية صرفة أم اقتصادية تنموية أم مزيج بينهما وثالثها قدرة إسرائيل على تقديم حوافز حقيقية لشركائها تتجاوز الخطاب الأيديولوجي

ثمة من يعتقد أن الإعلان يحمل بعدا انتخابيا في ظل اقتراب استحقاقات داخلية في إسرائيل وأن نتنياهو يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره مهندس شرق أوسط جديد قادر على بناء شبكات تحالف واسعة في مواجهة خصوم متعددين بينما يرى آخرون أن التحولات الجارية في الإقليم بالفعل تفتح المجال أمام صيغ تعاون غير تقليدية تتجاوز الانقسامات القديمة

مؤيدو الفكرة يرون أن إسرائيل تسعى إلى الانتقال من موقع الدولة المحاصرة إلى مركز شبكة إقليمية تربط آسيا بأوروبا عبر تحالفات أمنية واقتصادية بما يعزز مكانتها ويمنحها شرعية وظيفية في النظام الإقليمي الجديد بينما يرى منتقدون أن الحديث عن محور سني وشيعي ليس سوى تبسيط مخل للواقع وأن التحالفات في الشرق الأوسط تاريخيا تتشكل وفق المصالح لا الانتماءات المذهبية وأن استخدام توصيفات دينية واسعة قد يفاقم الاستقطاب بدل أن يحتويه

في المحصلة يعكس تحالف نتنياهو السداسي محاولة لإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة عبر شبكة تحالفات تمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط لكن بين الطموح السياسي والواقع الجيوسياسي تبقى الأسئلة مفتوحة حول حدود هذا المشروع وإمكاناته وما إذا كان سيشكل فعلا إطارا جديدا لتطويق الشرق الأوسط أم يبقى عنوانا سياسيا لمرحلة انتقالية مضطربة تعيد إنتاج صراعات المنطقة بصيغ مختلفة فهل نحن أمام ولادة إطار أمني واقتصادي جديد يعيد ترتيب أولويات الشرق الأوسط أم مجرد مناورة سياسية في توقيت داخلي وإقليمي بالغ الحساسية؟

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]