”الجمهورية الإسلامية الإيرانية قلعة القيم وراية الصلاح في مواجهة طغيان الإنحلال والرزائل، السيادة الأخلاقية أمام مشاريع الهيمنة والإستباحة".
ليست الكتابة عن طهران عندي ترفا إنشائيا ولا نشيدا عابرا تمليه اللحظة، بل هي قراءة في تحولات ميزان القيم في عالم يتقلب بين قطبية متغولة وأمم تبحث عن كرامتها.
في الآونة الأخيرة، تكاثفت مقالاتي حول صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأنني أرى بعين اليقين_ و بمنهج التحليل لا بعاطفة الإنفعال_ أن صعودها في سلم التقدير الشعبي في عالمينا العربي والإسلامي لم يأت من فراغ بل من تموضع أخلاقي واضح كوضوح الشمس وضوء القمر في قضايا مفصلية.
الفارق الجوهري بين إيران وخصومها يكمن في المرجعية: هناك مشروع يعلن استناده إلى نص مؤسس يقول: {إن الله يأمر بالعدل والاحسان}.
ويستلهم من سيرة آل بيت نبينا ونبي ورسول البشرية قاطبة قيم الصبر والثبات والأخلاق ونصرة المظلوم؛ وهناك مشاريع تدار بعقل براغماتي صرف، تجعل المصلحة معيارا، ولو على حساب العدالة.
حين ترفع الجمهورية الإسلامية الإيرانية راية الدفاع عن مسجد الإسراء والمعراج وسائر المقدسات، فهي تؤكد أن بوصلتها تتجاوز الجغرافيا إلى الإنتماء الحضاري الأوسع.
لقد أولت اهتماما ملحوظا بتكريم القرآن وأهله وبإبراز صورة الإسلام بوصفه دينا وسطيا متمدنا، يخاطب العالم بلغة مهذبة لا بلغة قطعية.
وهذا التفريق ضروري، فثمة قراءات متشددة منغلقة_ أشار القرآن إلى أصحابها بوصف صريح دون تسمية_ عبرت تلك الفئة بخطابها الإقصائي وكانت سببا في تنفير قطاعات واسعة، وغذت موجات الخوف من الإسلام في الغرب، فاالفرق شاسع بين منهج يعلي من قيمة الحكمة والموعظة الحسنى، تنتهجه طهران، ومنهج يختزل الدين في صدام دائم، تتحد صورة الأمة في أعين الآخرين.
في المقابل، لا تخفى طبيعة المواجهة القائمة: حصار سياسي، ضغوط إقتصادية، واستعراضات عسكرية تحيط بإيران من جهات متعددة. الصراع ليس تقنيا فقط، بل هو تنازع على تعريف الشرعية يعني بالتعبير الواضح ”حرب عقائدية" تستهدف طهران لنقاء سياستها ومواقفها تجاه الإسلام والمسلمين والمقدسات الإسلامية.
أهي شرعية القوة المفروضة أم شرعية الموقف المنحاز لقضايا التحرر المحقة العادلة والقانونية؟
إن قوى الهيمنة العالمية، بسرديتها الآحادية، لا تنظر بعين الرضا إلى نموذج يصر على استقلال قراءة وامتلاك موارده.
ومع ذلك فإن النقد الموضوعي يظل حقا، والتميز بين الدولة بوصفها كيانا سياسيا، وبين تعاليم الإسلام بوصفها رسالة ربانية، ضرورة معرفية.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ثبات الموقف في نصرة قضايا الأمة، والإصطفاف إلى جانب المظلومين، منح الجمهورية الإسلامية الإيرانية رصيد أفئدة رمزيا معتبرا في الوجدان الشعبي.
ليس الامتحان الحقيقي في حاملات الطائرات والصواريخ المتنوعة وعدد الأساطيل التي تحاصر، ولا في زوابع الفنجان والضجيج الذي يثار،
بل في مقدار الثبات على المبدأ حين تتكاثر المغريات والتهديدات معا.
فالدول قد ترهب بالقوة، لكنها لا تحترم إلا بالقيمة.
وإذا كان الصراع اليوم صراع سرديات ورؤى قبل أن يكون صدام عتاد وعديد، فإن الكلمة التي تنطلق من ضمير قرآني حي، ومن وجدان حضاري متجذر، أبقى أثرا وأرسخ قدما. وعند مفترق التاريخ، تبقى المواقف الواضحة هي التي تصنع الذاكرة، وتصوغ للأمم مكانتها بين الأمم.
وحين تتجسد القيم في مؤسسات وسلوك، وتتحول المبادئ إلى ممارسة يومية لا شعار عابر، تغدو التجربة معيارا يقاس بثمراته؛ وهكذا تقدم إيران نموذجا يحاكم بالفعل لا بالدعوى، ويعرف بآثاره في ميزان الأخلاق والتاريخ.
مفكر وكاتب دمشقي حر.