بين ذاكرة العراق وضغوط جنيف: هل يُعاد إنتاج سيناريو الحرب؟
مقالات
بين ذاكرة العراق وضغوط جنيف: هل يُعاد إنتاج سيناريو الحرب؟
وائل المولى
26 شباط 2026 , 23:09 م

‏ليست المشكلة في كثرة الاتهامات، بل في قابلية العالم لتصديقها حين تُصاغ بلغة الخوف. قبل أكثر من عقدين، سيق الرأي العام الدولي إلى حرب كبرى بذريعة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، والترويج لفكرة أنه يملك “رابع جيش في العالم” ويرتبط بتنظيم القاعدة. قاد الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش حملة سياسية وإعلامية انتهت بإسقاط نظام صدام حسين، قبل أن يتضح لاحقاً أن الذريعة المركزية للحرب لم تكن كما صُوّرت. لكن بعد فوات الأوان، كان العراق قد دُمّر، والمنطقة دخلت دوامة فوضى ما زالت ارتداداتها حاضرة.

‏اليوم، يتكرر المشهد بإيقاع مختلف. تُطرح رواية مفادها أن إيران باتت على مسافة قصيرة من إنتاج قنبلة نووية، وأنها قد تبادر إلى مهاجمة إسرائيل. تتكاثر التقارير والتسريبات، ويُرسم مشهد لحرب تلوح في الأفق، فيما تتحرك مسارات تفاوض في جنيف وسط ضغوط أميركية وإسرائيلية توحي بأن الخيارات المطروحة على طهران حاسمة إما القبول بشروط تُفرغ برنامجها النووي من مضمونه، أو مواجهة تصعيد عسكري واسع.

‏انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وأعاد فرض سياسة “الضغط الأقصى”، ما عمّق فجوة الثقة ورفع منسوب التوتر. ترافقت تلك المرحلة مع أحداث مفصلية، أبرزها اغتيال قاسم سليماني في بغداد، وعمليات استهداف طالت قيادات في محور المقاومة، في سياق إقليمي شديد الحساسية. كل ذلك رسّخ بيئة صراع مفتوحة على الاحتمالات.

‏في هذا السياق، لا يمكن استبعاد فرضية أن تبادر إيران إلى المواجهة إذا ما امتلكت معطيات كاملة تؤكد أن الحرب باتت حتمية وأن الضربة قادمة لا محالة. عندها، قد تتحول من موقع الاحتواء إلى موقع المبادرة الاستباقية، مستخدمةً كل ما تملك من أدوات عسكرية وأمنية وحلفاء إقليميين. وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، ستكون إسرائيل في صدارة المتضررين، بحكم الجغرافيا وحجم الانخراط المباشر في الصراع.

‏غير أن الأخطر من المواجهة ذاتها هو ما بعدها. فالمنطقة التي لم تتعافَ من أزمات العراق وسوريا واليمن قد تدخل مرحلة تفكك أعمق، حيث تتكسر الدول الهشة وتتصاعد النزاعات العابرة للحدود. أي صدام واسع لن يبقى محصوراً بين إيران وإسرائيل، بل ستمتد تداعياته إلى الخليج وبلاد الشام والعراق والبحر الأحمر، مع ما يحمله ذلك من ارتدادات على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

‏وثمّة بعد جيوسياسي يتجاوز الإطار الإقليمي المباشر. فاستهداف إيران قد لا يكون سوى حلقة في مسار أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في آسيا. إضعافها جذرياً قد يفتح الباب أمام تضييق الخناق على قوى إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان، وصولاً إلى محاصرة الصين ضمن استراتيجية تطويق متدرجة. في عالم تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو الصراعات مترابطة ضمن لوحة أوسع من إعادة التموضع الدولي.

‏من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تتجه المنطقة إلى تسوية سياسية صعبة تحفظ الحد الأدنى من التوازن، أم إلى إعادة إنتاج مناخ عام 2003 بأدوات جديدة وسرديات محدثة؟ التجربة أثبتت أن الحروب تبدأ بشعارات كبيرة، لكنها تنتهي بخرائط مكسورة وشعوب منهكة. وبين ذاكرة العراق وضغوط جنيف، تقف المنطقة أمام مفترق طرق حاسم: إما عقلانية تفاوضية تُجنّب الجميع كارثة شاملة، أو اندفاعة جديدة نحو فوضى مفتوحة لا يعرف أحد حدودها.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري