عبد الحميد كناكري خوجة: لكمات الكلمات...وكلمات اللكمات . حين يشتبك البيان بالميدان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: لكمات الكلمات...وكلمات اللكمات . حين يشتبك البيان بالميدان.


{حين تصبح المفردات كوابل من الرصاص، ويغدو الخطاب ساحة اشتباك_ حين تتطاير الكلمات كاسهام برؤوس فولاذية لتشق الصمت وتخترق الظلام_ حين تتحول العبارات البلاغية كاشظايا تدمر صمت العقول الميتة}.

من حرب البيانات إلى بيانات الحرب، ومن سيميولوجيا العنف الرمزي إلى جينالوجيا الهيمنة، يتجلى البراديغم الأمريكي في صورته الأكثر تناقضا:

خطاب يرفع راية الديمقراطية حين تخدم الاستراتيجية، ويفرغها حين تصطدم المصالح الجيوبولتيكية. هنا لا يقتصر السؤال على الأخلاق، بل يمتد إلى الفلسفة السياسية والمنطق الاستراتيجي: هل القيم أدوات أم مبادئ؟

وهل يراد بها الحقائق أم السيطرة؟

يبرز التناقض حين يتكالب خطاب سياسي على إيران بذريعة ”تحرير المرأة" و”حماية الحقوق" في وقت يشهد الداخل الأمريكي نفسه سجالات أخلاقية وسياسية واسعة ومتواصلة حولت مصداقية الخطاب وسلوك من يزعم رفع رايته.

فضيحة ”أبشتاين/ إبستين" ليست حدثا عابرا، بل مرآة أخلاقية هزت صورة مايطلقون على أنفسهم بالنخبة، وأظهرت هشاشة الإدعاء حين يتصادم مع الواقع. فالقيم، إن لم تنطبق على الذات قبل الآخر، تتحول من مبدأ إلى أداة انتقائية، ويصبح الخطاب مجرد بروباغندا تهدف إلى تبرير التدخل العسكري السافر وإخفاء الطمع بالموارد والسيطرة على السيادة الوطنية.

في المقابل، إيران وإن اختلف معها قلة_ رسخت مفهوم السيادة كخط أحمر، لا يحق لأحد على الإطلاق تجاوزه، وبنت معادلة ردع قوية في فضاء إقليمي معقد.

لم تقدم نفسها كضحية كما كانت قبل ثورة 1979، ولم تدار سياستها عبر التملق أو الركون إلى الضغوط الخارجية كما لم تصاغ سياستها أيضا وفق منطق الخنوع أمام الضغوط، بل بمنطق الحساب المتبادل، وعلى مبدأ الردع والحساب العقلاني.

ومن خلال هذا النهج، تظهر إيران كنموذج للتوازن بين الحكمة في الدفاع عن النفس والقدرة على إدارة الأزمات، مع تأكيدها على أن الردع الاستراتيجي ليس مجرد ردود فعل على التهديد والوعيد، بل أداة حماية للسيادة الوطنية وللإقليم برمته.

إي عدوان جديد لن يكون مجرد عملية محدودة، بل إرتجاجا زلزاليا إقليميا واسعا، يشتعل في لحظة عالمية معقدة تتشابك فيها المصالح كما تتشابك خطوط الردع، ومن خلال التحليلات المنطقية المؤكدة قد تتحول أي مغامرة عدوانية إلى كارثة إستراتيجية لا تحمد عقباها.

التاريخ يعلم أن من ينطلق بخطاب” تحرير الشعوب"

دون مساءلة نفسه، قد يفتح أبوابا لا تغلق إلا بفوضى واسعة، مايجعل أي قراءة سياسية سطحية فاشلة.

كما يكشف الانحياز شبه المطلق للولايات المتحدة الأمريكية لسياسات تل أبيب، رغم تنامي تيارات داخل المجتمع الأمريكي تعيد مساءلة هذه السياسات، عن فجوة كبيرة بين وعي شعبي متحول وخيارات نخبوية مازالت أسيرة دوغما قديمة.

الاستطلاعات الحديثة تشير إلى أن نسبة الأمريكيين غير المؤيدين لحسابات دويلة الإحتلال التوسعية تتجاوز ال 45% أي مايعادل النصف تقريبا.

ما يؤكد وجود توازن داخلي يرفض التبريرات التقليدية للعدوان، ويضعف أي رواية أحادية الجانب.

أكتب لأن الكلمة ليست زخرفا، بل مسؤولية.

والبيان، إن لم يشتبك مع الميدان، يتحول إلى صدى أجوف. فإن كانت هناك لكمات في الكلمات، فهي لكمات وعي في وجه النفاق السياسي، وكلمات لا لتشعل حربا، بل لتحذر من كارثة محتملة قد يكتوي بتراجيديات نارها الجميع.

بين الشعار والحقيقة، بين الإدعاء والمآل، وبين قوة النفوذ وسيادة الدولة، وبين الخطاب والواقع، وبين الطمع بالسيطرة والسيادة الوطنية، يبقى الرهان على عقل نقدي لا يخدع بالبريق، وعلى شعوب باتت قادرة على التمييز بين من يتبنى القيم كقناعة، ومن يوظفها كاأداة في لعبة الأمم، لتظل الكلمة في أوج قوتها كأداة أخلاقية واستراتيجية حقيقية، وقوة معنوية تمنع الانزلاق نحو الفوضى، وتبرز قدرة السيادة على الوقوف في وجه أي عدوان محتمل.

مفكر وكاتب دمشقي حر.