إيران والمادة 51: عندما يتحول الدفاع إلى واجب سيادي
مقالات
إيران والمادة 51: عندما يتحول الدفاع إلى واجب سيادي
عدنان علامه
28 شباط 2026 , 17:55 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

لم تكن الضربة الأمريكية الإسرائيلية على إيران حدثًا مفاجئًا لمن يقرأ سلوك إدارة ترامب بعين فاحصة. فمنذ اليوم الأول لانطلاق المفاوضات في جنيف، كان واضحًا أن المسار التفاوضي يسير فوق أرض رخوة، بينما الأساطيل الأمريكية تتكدّس في المنطقة، وحاملات الطائرات تُنشر تباعًا في شرق المتوسط والخليج.

لم تكن تلك “إجراءات احترازية”، بل كانت إعلان نوايا مؤجلة.

أولًا: مفاوضات تحت فوهة المدافع

فإيران – وفق ما أعلن – قبلت بشروط قاسية في جنيف، وكان من المفترض استكمال المسار التقني يوم الإثنين في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، لبحث مسائل الرقابة ووجهة استعمال اليورانيوم المخصّب. أي أن العملية كانت قد انتقلت من الإطار السياسي إلى الإطار التقني التنفيذي.

لكن واشنطن اختارت الانقلاب على الطاولة قبل وصول الوفود إلى فيينا.

هذا ليس تعثّرًا تفاوضيًا، بل قرار غدر وطعن بالظهر ونوايا حرب مُبيّتة، ينسف مبدأ حسن النية الذي يُعد حجر الزاوية في أي اتفاق دولي.

ثانيًا: تكرار سيناريو "الذريعة المسبقة"

فما جرى، يعيد إلى الأذهان نمطًا أمريكيًا متكررًا: صناعة رواية أمنية، تصعيد إعلامي، ثم ضربة عسكرية. كما حصل في العراق بذريعة "أسلحة الدمار الشامل"، وكما تكرر في حزيران الماضي عند استهداف إيران "الردع الوقائي".

واليوم يتكرر السيناريو ذاته: تصوير البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني كخطر وشيك، رغم خضوعه لمسار تفاوضي ورقابي. الفارق الوحيد أن العالم بات أكثر وعيًا لهذا النمط، لكن ميزان القوة لا يزال يميل لمن يملك قرار الحرب.

ثالثًا: خرق صريح للقانون الدولي

إن ميثاق الأمم المتحدة واضح في مادته الثانية: حظر استخدام القوة، أو التهديد بها في العلاقات الدولية.

وأي عمل عسكري خارج إطار قرار من مجلس الأمن يُعد عدوانًا.

فالضربة الأمريكية الإسرائيلية لم تصدر بقرار أممي، ولم تكن ردًا على هجوم إيراني مباشر ووشيك. وبالتالي فهي، وفق التعريف القانوني، عمل عدواني مكتمل الأركان.خرق فاضح للدستور الأمريكي؛ فترامب هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ولكن لا يحق له إعلان الحرب أو شن أي عدوان خارج حدود أمرا بدون َ موافقة الكونغرس.

وهنا تنتقل المسألة من توصيف سياسي إلى توصيف قانوني: فإيران أصبحت دولة معتدى عليها.

رابعًا: المادة 51 – الحق الذي يتحول إلى التزام

تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على “الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا وقع هجوم مسلح عليها”.

بمعنى آخر، حين يقع العدوان، لا يصبح الدفاع خيارًا سياسيًا فحسب، بل حقًا سياديًا أصيلًا.

وإذا كانت الضربات قد نُفذت بالتنسيق الكامل بين واشنطن وتل أبيب، فإن حق الرد لا يقتصر على مصدر واحد للعدوان، بل يشمل كل من شارك فيه تخطيطًا أو تنفيذًا.

خامسًا: ترامب بين النرجسية والحرب الاستباقية

فترامب يرى في التصعيد العسكري أداة لإعادة تثبيت صورته كـ”قائد حاسم”.

وإن حشود حاملات الطائرات قبل انهيار المسار التفاوض، لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل كانت مؤشرًا إلى أن خيار الحرب كان حاضرًا في ذهنه منذ البداية. التفاوض، في هذه الحالة، لم يكن مسارًا لحل الأزمة، بل غطاءً سياسيًا لشرعنة الضربة.

سادسًا: من الدفاع إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك

إن الرد الإيراني لن يكون مجرد فعل عسكري، بل رسالة استراتيجية مفادها أن زمن الضربات المجانية قد انتهى.

وأي رد محسوب سيعيد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة، ويضع حدًا لفكرة أن واشنطن تستطيع الجمع بين التفاوض والعدواو في آن واحد دون كلفة عالية جدًا.

الخلاصة

فما جرى ليس "تصعيدًا ومتبادلًا" ، بل عدوانًا واضحًا على دولة كانت في قلب مسار تفاوضي دولي.

وبموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لإيران الحق الكامل في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي، وبالوسائل التي تراها متناسبة مع حجم الاعتداء.

وإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس الصواريخ، بل انهيار الثقة في النظام الدولي نفسه. فعندما تُقصف دولة وهي على طاولة التفاوض، يصبح العالم أمام سابقة تهدد معنى الدبلوماسية برمّته.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

28 شباط/فبراير 2026