لا يقتصر تأثير الرياضة على القوة والسرعة والتحمل فحسب، بل تمتد آثارها إلى تحميل كبير على العضلات والأربطة والعظام، ما يزيد من احتمالية التعرض للإصابات. ومع أن الكدمات والالتواءات وتمزقات الأربطة شائعة بين الرياضيين، سواء كانوا محترفين أو هواة، فإن سرعة التعافي تختلف بشكل ملحوظ من شخص إلى آخر.
فلماذا يتعافى بعض الأشخاص بسرعة، بينما يحتاج آخرون إلى فترة علاج وتأهيل أطول؟ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن للعوامل الوراثية دورا أساسيا في ذلك.
دور الجينات في تنظيم الالتهاب

أوضحت الباحثة الروسية إيرينا كوليسنيكوفا، المرشحة للعلوم البيولوجية ورئيسة المجلس العلمي للمركز الوطني للأبحاث الجينية (Mygenetics)، أن شدة الالتهاب بعد الإصابة تتأثر بأنماط معينة في جينات السيتوكينات.
السيتوكينات هي جزيئات بروتينية صغيرة تعمل كوسيط بين خلايا الجسم، وتلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم عمل الجهاز المناعي والاستجابة الالتهابية. ومن أبرز هذه السيتوكينات:عامل نخر الورم ألفا (TNF-α)
الإنترلوكين 1 (IL-1)
الإنترلوكين 6 (IL-6)
جين TNFA وزيادة الالتهاب
تشير البيانات إلى أن نحو 26% من الروس لديهم استعداد وراثي لزيادة شدة الالتهاب بسبب وجود متغير في جين TNFA، المسؤول عن إنتاج عامل نخر الورم ألفا.
كما أن حوالي 1% من السكان يمتلكون نسختين نشطتين من هذا الجين، ما يرفع لديهم خطر التعافي الصعب بعد الإصابات.
ويرتبط هذا النمط الوراثي بزيادة احتمال الإصابة باعتلالات الأوتار (Tendinopathy)، وهي تغيرات تنكسية مؤلمة تصيب الأوتار نتيجة الإجهاد المزمن والإصابات الدقيقة واضطراب بنية ألياف الكولاجين. وتشير المعطيات إلى أن هؤلاء الأشخاص قد يستجيبون بدرجة أقل لبعض الأدوية المضادة للالتهاب التي تستهدف هذا النوع من السيتوكينات.
فروق وراثية بين الشعوب
الإنترلوكين 1 (IL1B)
12% من الروس لديهم استعداد وراثي لارتفاع نسبي في مستوى الإنترلوكين 1 بيتا، ما يزيد احتمالية الالتهاب بعد الإصابات الرياضية.
46% لديهم ارتفاع متوسط في هذا الخطر.ينتشر هذا المتغير في أوروبا بنسبة مشابهة لروسيا، بينما يظهر بمعدل أعلى في آسيا.
الإنترلوكين 6 (IL6)
18% من الروس لديهم استعداد وراثي لانخفاض مستوى الإنترلوكين 6، ما يساهم في تقليل شدة الالتهاب.
45% لديهم انخفاض متوسط.
هذا النمط مشابه لما هو موجود في أوروبا، لكنه أقل انتشارًا في دول شرق آسيا مثل الصين واليابان، ما يشير إلى قابلية أكبر نسبيًا لحدوث استجابات التهابية أقوى لدى بعض السكان الآسيويين.
الجينات وإصابات الدماغ
أظهرت الدراسات وجود ارتباط محتمل بين تعدد الأشكال الجينية في جيني IL1B وIL6 وشدة الارتجاج الدماغي ومدة استمرار الأعراض. ويبدو أن الأشخاص الذين يحملون المتغير الأقل تحفيزًا للالتهاب في جين IL6 يتعافون بشكل أسرع من إصابات الرأس.
هل قلة الالتهاب ميزة دائما؟
رغم أن انخفاض شدة الالتهاب قد يبدو أمرًا إيجابيًا من حيث سرعة التعافي وتقليل تلف الأنسجة، فإن لذلك جانبًا آخر.
الجهاز المناعي يمثل خط الدفاع الأساسي ضد البكتيريا والفيروسات. فالإنتاج المرتفع للسيتوكينات قد يؤدي إلى التهابات مفرطة ومضاعفات مثل "عاصفة السيتوكينات"، لكنه في الوقت نفسه يساعد الجسم على القضاء بسرعة على مسببات الأمراض.
في المقابل، قد يؤدي انخفاض إنتاج السيتوكينات إلى تقليل تلف الأنسجة الناتج عن الالتهاب، لكنه قد يضعف الاستجابة المناعية، ما يزيد من خطر العدوى الشديدة أو صعوبة مقاومة بعض الأمراض.
الجينات ليست العامل الوحيد
تؤكد الخلاصة أن العوامل الوراثية تؤثر بالفعل في سرعة التعافي من الإصابات وشدة الالتهاب، لكنها ليست العامل الحاسم الوحيد. فأسلوب الحياة، والتغذية، ونوعية العلاج، والالتزام ببرامج التأهيل، كلها عناصر تلعب دورا مهما.
ومع ذلك، فإن معرفة الخصائص الجينية الشخصية قد تساعد في توقع ردود فعل الجسم بشكل أدق، واتخاذ تدابير وقائية مناسبة، سواء في المجال الرياضي أو الصحي بشكل عام.