يعاني أكثر من 10 آلاف مريض في الولايات المتحدة من أمراض الكبد المزمنة وهم على قوائم انتظار زراعة الكبد، في ظل نقص حاد في الأعضاء المتبرع بها. كما أن بعض المرضى لا يمكنهم الخضوع للجراحة بسبب حالتهم الصحية.
في هذا السياق، طور مهندسون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ما أطلقوا عليه اسم “أكباد قمرية” أو أكباد مصغّرة قابلة للحقن، يمكن إدخالها إلى الجسم لتؤدي وظائف الكبد المتضرر دون الحاجة إلى استئصاله.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Cell Biomaterials العلمية.
كيف تعمل الأكباد المصغّرة؟
يعتمد الكبد البشري على خلايا متخصصة تُعرف باسم الخلايا الكبدية (Hepatocytes)، وهي المسؤولة عن نحو 500 وظيفة حيوية، من بينها:
تنظيم تخثر الدم
إزالة البكتيريا من مجرى الدم
استقلاب الأدوية والسموم
سعت الباحثة سانجيتا بهاتيا، أستاذة العلوم الصحية والتكنولوجيا والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في MIT، إلى تطوير وسيلة لاستعادة وظائف هذه الخلايا دون اللجوء إلى زراعة كبد كاملة.
الفكرة الجديدة تقوم على حقن مزيج من:
خلايا كبديةخلايا داعمة تُعرف بالأرومات الليفية (Fibroblasts)
ميكروسفيرات (كرات مجهرية) مصنوعة من هيدروجيل حيوي
تعمل هذه الكرات المجهرية كبيئة هندسية داعمة تحافظ على تماسك الخلايا وتساعدها على الارتباط بالأوعية الدموية المحيطة بسرعة.

تتحول من سائل إلى صلب
تتميز الميكروسفيرات الهيدروجيلية بخصائص خاصة تجعلها تتصرف كسائل عند ضغطها معًا، ما يسمح بحقنها عبر إبرة عادية. وبعد دخولها الجسم، تستعيد بنيتها الصلبة لتشكّل دعامة مستقرة للخلايا.
هذا النهج يتيح إجراء العلاج دون جراحة كبرى، كما يسمح بمراقبة الطُعم (النسيج المزروع) باستخدام الموجات فوق الصوتية، سواء أثناء الحقن أو خلال المتابعة طويلة الأمد.
نتائج واعدة على الفئران
في التجارب التي أُجريت على الفئران، حُقنت الأكباد المصغّرة في نسيج دهني داخل البطن يُعرف باسم النسيج الدهني حول الغدد التناسلية. وبعد الحقن:
شكّلت الخلايا بنية مدمجة ومستقرة.
نمت أوعية دموية جديدة داخل الطُعم، ما ساعد على تغذيته.
بقيت الخلايا حية وفعالة لمدة ثمانية أسابيع (مدة الدراسة).
أفرزت بروتينات وإنزيمات كبدية متخصصة في مجرى الدم.وتشير النتائج إلى أن هذه التقنية قد توفر علاجًا طويل الأمد لأمراض الكبد، أو على الأقل دعما وظيفيا مستمرا.
بديل أو جسر مؤقت لزراعة الكبد
يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تؤدي دورين أساسيين:بديل غير جراحي لزراعة الكبد في بعض الحالات.“جسر علاجي” يوفر دعما مؤقتا لحين توفر عضو متبرع مناسب.
كما أن سهولة الحقن تقلل من المخاطر المرتبطة بالجراحة المتكررة، وتسمح بإضافة طعوم جديدة عند الحاجة دون تدخل جراحي معقد.
تحديات مستقبلية
في نسختها الحالية، قد تتطلب التقنية استخدام أدوية مثبطة للمناعة لمنع رفض الجسم للخلايا المزروعة. إلا أن الباحثين يعملون على تطوير خلايا كبدية “مموهة” قادرة على تفادي الجهاز المناعي، أو استخدام الميكروسفيرات لإيصال أدوية مثبطة للمناعة موضعيًا بدلًا من تعميمها في الجسم.
آفاق طبية جديدة
تمثل هذه “الأكباد القمرية” خطوة متقدمة في مجال هندسة الأنسجة والعلاج بالخلايا، وقد تفتح الباب أمام حلول أقل تدخلًا جراحيًا لمرضى فشل الكبد، خاصة أولئك غير المؤهلين لزراعة عضو كامل.
ومع استمرار الأبحاث والتجارب السريرية المستقبلية، قد تتحول هذه التقنية إلى خيار علاجي عملي يخفف الضغط عن قوائم الانتظار ويحسن جودة حياة آلاف المرضى.