طباعة حيوية للأوعية الدموية وأورام اصطناعية
منوعات
طباعة حيوية للأوعية الدموية وأورام اصطناعية
12 أيار 2026 , 13:55 م

تشهد تقنيات الطباعة الحيوية تطورا متسارعا في مجالات الطب والهندسة الحيوية، حيث يعمل العلماء على تصنيع أنسجة بشرية معقدة، تشمل الأوعية الدموية والغضاريف وحتى نماذج للأورام السرطانية، بهدف تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

وفي مقابلة مع صحيفة Коммерсантъ، أوضحت الدكتورة إليزافيتا كودان، رئيسة مختبر هندسة الأنسجة والطب التجديدي في جامعة MISIS الوطنية للعلوم والتكنولوجيا، أن الطباعة الحيوية ما تزال تواجه تحديات علمية معقدة قبل انتقالها الكامل إلى التطبيقات السريرية.

طباعة الأوعية الدموية ما تزال معقدة

نجح العلماء بالفعل في تصنيع غرسات غضروفية وأجزاء تحاكي الأذن البشرية، إضافة إلى نماذج أولية لأوعية دموية. لكن إعادة إنتاج البنية الدقيقة للأوعية الصغيرة لا تزال تمثل تحديا كبيرا.

ويعود ذلك إلى أن الأوعية الدموية الطبيعية تحتوي على طبقة داخلية تُعرف باسم البطانة الغشائية "الإندوثيليوم"، وهي طبقة خلوية شديدة الحساسية تتحكم في تدفق الدم والاستجابة للالتهابات ومنع التخثر.

وتوضح كودان أن الطباعة الحيوية تبدأ عادة ببناء الشكل الهندسي أولا، ثم محاولة دفع الخلايا إلى أداء وظائفها الطبيعية، إلا أن الخلايا لا تلتزم دائمًا بالخطة الهندسية المحددة، إذ تتحرك وتتغير وتتفاعل مع البيئة المحيطة بطرق يصعب التنبؤ بها.

تحديات بناء الأنسجة الحية

في الجسم البشري، تتكون الأنسجة بشكل متزامن ومنسق، حيث يحدث نمو الخلايا وتطور الأوعية الدموية وتدفق السوائل الحيوية في الوقت نفسه. أما داخل المختبر، فلا يزال العلماء قادرين على محاكاة هذه المراحل بصورة متتابعة فقط، وهو ما يحد من قدرة الأنسجة المطبوعة على الوصول إلى النضج الكامل.

ويؤكد الباحثون أن إنشاء شبكة أوعية دموية فعالة يمثل الشرط الأساسي لطباعة أعضاء بشرية كاملة، لأن الخلايا العميقة داخل العضو تحتاج إلى إمدادات مستمرة من الأكسجين والمواد الغذائية.

ولهذا السبب يركز العلماء حاليا على تطوير أجزاء صغيرة نسبيًا، مثل رقع القلب، وبدائل الجلد، والغضاريف، والزرعات العصبية.

الحبر الحيوي ومعضلة التوازن

تعتمد الطباعة الحيوية على ما يُعرف بـ"الحبر الحيوي"، وهو مادة هلامية تحتوي على خلايا حية. ويجب أن يتمتع هذا الحبر بتوازن دقيق، بحيث يكون قويًا بما يكفي للحفاظ على الشكل المطبوع، وفي الوقت نفسه مرنا بما يسمح للخلايا بالبقاء والنمو.

وتصف كودان هذه المشكلة بأنها "صراع هندسي"، لأن المواد المثالية للطباعة غالبًا لا تكون مناسبة لحياة الخلايا، والعكس صحيح.

كما تختلف استجابة الخلايا للبيئة المحيطة بحسب نوعها، فمثلًا تحتاج الخلايا العصبية إلى بيئة شديدة الليونة، بينما تفضل الخلايا العظمية بيئات أكثر صلابة.

فهم الإشارات الميكانيكية للخلايا

يشير العلماء إلى أن الخلايا تمتلك القدرة على استشعار الخصائص الفيزيائية للبيئة المحيطة وتحويلها إلى إشارات كيميائية حيوية تؤثر في سلوكها، وهي عملية تُعرف باسم "التحويل الميكانيكي الحيوي".

ولا يزال الباحثون في المراحل الأولى لفهم هذه العملية بشكل كمي ودقيق، رغم أهميتها الكبيرة في تطوير الأنسجة المطبوعة حيويا.

تحديات خاصة بالأنسجة العصبية

تمثل الأنسجة العصبية أحد أكثر المجالات تعقيدا في الطباعة الحيوية، لأن الخلايا العصبية شديدة الحساسية للتغيرات الميكانيكية والكيميائية.

كما أن الزرعات الدماغية غالبا ما تؤدي إلى استجابة مناعية تُنتج نسيجا دبقيا يعزل الجهاز المزروع ويضعف الإشارات العصبية.

ويعمل الباحثون حاليا على تطوير مواد حيوية مرنة ومتوافقة مع الجسم، بهدف تحسين اندماج الخلايا العصبية مع الزرعات وتقليل الاستجابة المناعية.

التيرانوستيك والعلاج الموجه

إلى جانب الطباعة الحيوية، يعمل مختبر جامعة MISIS على تطوير تقنيات "التيرانوستيك"، وهو مفهوم يجمع بين التشخيص والعلاج داخل نظام واحد يعتمد على توصيل الأدوية بدقة إلى المناطق المصابة.

وتُستخدم هذه التقنيات حاليا بشكل رئيسي في علاج السرطان، مع توسع الأبحاث لتشمل أمراض القلب والأمراض العصبية التنكسية.

ويواجه هذا المجال تحديات عدة، أبرزها قدرة الجهاز المناعي على التخلص من الجسيمات النانوية العلاجية قبل وصولها إلى الورم، إضافة إلى الطبيعة غير المتجانسة للأورام السرطانية.

لماذا يطبع العلماء أوراما اصطناعية؟

يعمل الباحثون أيضا على تصنيع نماذج ثلاثية الأبعاد للأورام السرطانية باستخدام الطباعة الحيوية، بهدف اختبار الأدوية بصورة أكثر واقعية.

وتختلف هذه النماذج عن الخلايا المزروعة تقليديا في أطباق المختبر، لأن الأورام الحقيقية تمتلك بنية ثلاثية الأبعاد معقدة تتضمن اختلافات في مستويات الأكسجين والمواد الغذائية والحموضة داخل الورم نفسه.

وتساعد هذه النماذج المطبوعة العلماء على تقييم فعالية العلاجات في ظروف أقرب إلى الواقع السريري.

نحو علاجات شخصية مستقبلا

يرى الباحثون أن الخطوة المستقبلية الأهم تتمثل في استخدام خلايا مأخوذة من أورام المرضى أنفسهم لطباعة نماذج مخصصة، ما يسمح باختبار العلاجات المختلفة مسبقا واختيار الأكثر فعالية لكل مريض.

من المختبر إلى التطبيق الطبي

رغم التقدم الكبير، ما تزال الطباعة الحيوية تواجه تحديات تتعلق بإعادة إنتاج النتائج بشكل ثابت، بسبب الطبيعة المتغيرة للخلايا الحية.

كما تمثل عملية توحيد المعايير والبروتوكولات العلمية تحديا إضافيا، خاصة مع الطبيعة متعددة التخصصات لهذا المجال الذي يجمع بين الطب والهندسة والكيمياء وعلوم المواد.

ويؤكد الباحثون أن تطوير برامج تعليمية متخصصة وتوجيه الأبحاث نحو التطبيقات التجارية والطبية العملية سيكونان عاملين حاسمين في تسريع انتقال الطباعة الحيوية من المختبرات إلى المستشفيات.

المصدر: مجلة Коммерсантъ