الجنوب_مقابل_الشمال.. الجنوب_يقاوم.,
مقالات
الجنوب_مقابل_الشمال.. الجنوب_يقاوم., "معادلة الجنون الاستراتيجي", حين يدرك العدوُّ أنَّهُ وقع في الفخ.
د. وسيم جابر
1 حزيران 2026 , 14:40 م

مقدمة: ما الذي تغيّر البارحة؟

ليس كلُّ تصعيدٍ صرخةَ قوة. بعضُها صرخةُ عجز.

وحين يُطالِبُ بن غفير بتدميرِ الضاحية، وحين يعقدُ نتنياهو اجتماعَ الكابينت، في مواجهة معادلةٍ لم يتوقعها، وحين تُطْفَأُ الليلةَ الماضيةَ أنوارُ كريات شمونة وتتَحوًَلُ إلى ملاجئَ مكتظة، فذلك لا يُشبِهُ رُعْبَ المنتصر.

هذا يشبهُ رّعْبَ مَنْ وَقَعَ في الفخ، وبدأَ يُدْرِكُ أبعاده.

حزب الله لم يطلق الصواريخ البارحةَ عشوائياً. أطلقها في اللحظةِ التي اختارَها بِدِقَّةٍ، ساعةَ لا تخطئ.

#أولاً: الاستدراجُ الذي لم يَرَهُ أحد.

منذ ثلاثة أشهرٍ، والجيشّ الإسرائيليُّ يتقدَّمُ نحو الليطاني، بطُعمِ النصرِ السهل. جرافاتٌ تتحطَّمُ، وهي تَهْدِمُ البيوت. دباباتٌ تصطادُها المُسيّرات. قواتٌ تتوَغَّلُ، في زوطرَ ودبينَ ويحمر، فتصبحُ أهدافاً لا مقاتلين.

بلغةٍ عسكريةٍ صارمة: هذا ليس دفاعاً هشاً. هذا استدراجٌ مُحْكَم.

حزبُ اللهِ جرَّ الجيشَ الإسرائيليَّ إلى ثلاثةِ أوديةٍ ضَيِّقَةٍ، في يُحْمُرَ وأرنونَ والغندورية، حيث تتحوَّلُ الميركافا من سلاحٍ إلى هدف، وحيث لا تستطيعُ الدبابةُ أن تتحركَ دونَ أن تُحِرقَها مسيّرةٌ تُكلِّفُ ألفَ دولار.

في يومٍ واحدٍفقط،خمسُ دبّاباتِ ميركافا مُحترقةٌ في يحمر.

الفرقة 36 التي تتقدمُ اليومَ كانت خطَّتُها قد أُلْغِيَتْ، قبلَ شَهْرَيْنِ، حِينَ أَوْقَعَها المُقاومون في كمينٍ أرغمَها على التراجع. أُعِيدَتِ التجربةُ ذاتُها بفرقةٍ مختلفة، والنتيجةُ ذاتُها.

هذا ما سمّاهُ المؤرخُ العسكريُّ: سنةَ الِاستنزاف: تعبُ الجيوشِ قبلَ أن تنكسرَ أعلامُها.

#ثانياً: المعادلةُ الجديدةُ التي أربكتِ الخرائط.

البارحةَ، فَعّلَ حزبُ اللهِ مُعادلةً ظنَّ نتنياهو أنها خطٌّ أحمرُ غيرُ قابِلٍ للعبور: الجنوبُ مقابِلَ الشمال.

كرمئيل. نهاريا. صفد، للمرةِ الأولى منذُ أسابيع.

كرياتُ شمونة ترتجفُ بصاروخٍ يُصِيبُ مركزَها التجارِيَّ مباشرة.

والأخطرُ دَلالةً مِنَ القصفِ ذاتِه: المنظومةُ الاعتراضيةُ اخْتُرِقَتْ. خمسةُ صواريخَ نَجَحَتْ، واحترقَ منها واحدٌ فقط.

هذا يعني: أنَّ حزبَ اللهِ أنهى نظريةَ القبةِ الحديديةِ، كحاجزٍ نفسيٍّ أمامَ المستوطنين. وبمجرَّدِ أنْ تنهارَ الثقةُ بالقبة، ينهارُ معها الوَهْمُ بالأمان، وينهارُ معهُ الشمال.

المعادلةُ الجديدةُ التي أرساها الحزبُ يمكنُ صياغتُها بِاخْتِصار: كلُّ تصعيدٍ في الجنوبِ يقابِلُهُ مدىً أعمقُ في الشمال.

وإنْ جاءتِ الضاحية، فَالرَّدُّ سَيُرْبِكُ ما هو أعمقُ من تل أبيب. معادلةٌ سَمِعَها النتن ياهو ومستشارُوهُ وفهموها، وهو ما يُفَسِّرُ الذُّعْرَ في اجتماعِ الكابينت.

#الخاتمة: المشهدُ الذي بدأ يَتَّضِح:

الساعاتُ القادمةُ تحملُ احتمالَيْنِ لا ثالثَ لَهُما.

الأول: أنْ يُصَعِّدَ نتنياهو على الضاحيةِ، بتغطيةٍ من رغباتِ بِنْ غفير، وهو التصعيدُ الذي يَفتحُ الجبهتينِ الشماليةَ والجنوبيةَ في وقتٍ واحد، ويَضَعُ الأمريكيَّ أمامَ معادلةِ إيرانَ والمقاومةِ الإقليمية معاً.

الثاني: أنْ يُعيدَ نتنياهو الحسابَ تحتَ ضغطِ الخسائرِ البرِّيَّةِ في يحمر، وتنكيسِ القبَّةِ الحديديةِ فِعلياً، وانهيارِ ثِقَةِ الشّمال.

⭕ للمقاومةِ وأهلِ الجنوبِ والضاحيةِ الكرام: المشهدُ يسيرُ في صالحِ المُعادلات، والعدوُّ يتصرَّفُ مِنْ مَوقِعِ ارتباكٍ، لا قوة. الحذرُ واجب، لٰكِنَّ الثباتَ أوجب، وما بُنِيَ على قاعدةِ الِاسْتِدراجِ يَسْقُطُ بِمَنْطِق ِ الِاسْتِنْزاف.

.. حين يقرِّرُ الجيشُ الإسرائيليُّ التَّقدُّمَ، بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ مِنَ المحاولاتِ، ويُعْلِنُ ذلكَ انْتِصاراً، فهوَفي الحقيقةِ يُعْلِنُ:أنَّ مابَعدَهُ سيكونُ أشَدَّ وطأة.

الخلاصةُ الاستراتيجية: حزبُ اللهِ لا يتقدَّمُ ولا يتراجع، يَتَحَكَّمُ بالإيقاع.

والجيشُ الذي يتحوَّلُ فيهِ رئيسُ الأركانِ إلى مُتَفَرِّجٍ،مِنْ وراءِشِباكِ صيد، ويُصادَرُ فيِه سلاحُ الجنودِ قبلَ لِقاءِ قائدِهِم خوفاً مِنْ قَتْلِهِ، هو جيشٌ يخوضُ حَرْبَهُ ضِدَّ خَصْمَيْنِ، في آنٍ واحد: حزبِ الله، والحقيقة.