قراءة في المشاركة الفاعلة للمرأة الإيرانية في المظاهرات الشعبية الرافضة للعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران
مقالات
قراءة في المشاركة الفاعلة للمرأة الإيرانية في المظاهرات الشعبية الرافضة للعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران
د. هناء سعادة
5 آذار 2026 , 23:47 م


بقلم د. هناء سعادة

منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، والمرأة الإيرانية تؤدي دورًا محوريًا في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والعلمية، حضورًا ومبادرةً وتأثيرًا. فقد ارتبط مسار الدولة الحديثة في إيران بمشاركة نسوية واعية في المؤسسات، وفي الجامعات، وفي قطاعات الصحة والإعلام والعمل الأهلي، إلى جانب حضورها الثابت في المشهد العام كلما تعلّق الأمر بالقضايا السيادية والخيارات الوطنية الكبرى.

وفي سياق المظاهرات الشعبية الواسعة الرافضة للعدوان الأمريكي والصهيوني على الأراضي الإيرانية، تجلّى هذا الدور بوضوح لافت. فقد تقدّمت النساء الصفوف، وشاركن في تنظيم الحشود، وصياغة الشعارات، وضبط الإيقاع العام للتحركات، في مشهد يعكس رسوخ حضورهن داخل البنية المجتمعية والسياسية. فالمشاركة هنا تعبير عن وعي بالمسؤولية الوطنية، وإدراك لطبيعة المرحلة، وانخراط مباشر في الدفاع عن السيادة والاستقلال.

يفنّد هذا الحضور الكثيف والمنظم بصورة عملية الادعاءات الغربية المتكررة بشأن “اضطهاد المرأة الإيرانية” أو إقصائها عن الفضاء العام. فالواقع الميداني يظهر نساءً فاعلات، مثقفات، منخرطات في الشأن العام، يعبّرن عن مواقفهن بوضوح، ويشاركن في رسم معالم الخطاب الوطني. فالفجوة بين الصورة النمطية التي يُراد تسويقها خارجيًا وبين المشهد الداخلي الملموس تكشف حجم التسييس الذي يطغى على الخطابات الحقوقية حين تتحول إلى أدوات ضغط سياسي.

وتتجلى المفارقة الأخلاقية بصورة أشد حين تصدر دعوات “الدفاع عن المرأة” من جهات ارتبط اسمها بجرائم موثقة ضد المدنيين. ففي سياق هذا العدوان نفسه، شهدت مدينة ميناب الإيرانية جريمة مروّعة أودت بحياة أكثر من 165 طفلة، في واقعة تضاف إلى سجل دموي يطال المدنيين الأبرياء. وفي الوقت ذاته، يقود رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو حربًا في غزة خلّفت آلاف الضحايا من الأطفال والنساء. فكيف يستقيم ادعاء الحرص على كرامة المرأة وحقوقها مع استهداف الطفولة ذاتها؟ إن الخطاب الذي يتباكى على حقوق النساء في دولة ذات سيادة، فيما يتغاضى عن قتل الأطفال وتدمير البيوت، يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي والقانوني.

كما تحمل المشاركة النسوية في هذه المظاهرات ، إلى جانب بعدها الوطني، رسالة سياسية إلى الخارج مفادها أن المجتمع الإيراني، نساءً ورجالًا، ينظر إلى العدوان بوصفه استهدافًا شاملًا للدولة والمجتمع معًا. ومن ثم، فإن الدفاع عن الوطن ليس شأنًا فئويًا أو نخبويًا، بل مسؤولية جماعية تتوزع على مختلف الفئات، وفق منطق المواطنة والانتماء.

إن قراءة المشاركة الفاعلة للمرأة في هذه التحركات الشعبية تقتضي إدراك سياقها التاريخي الممتد منذ انتصار الثورة، وفهم دلالاتها في اللحظة الراهنة بوصفها امتدادًا لمسار طويل من الحضور والمساهمة. إنها مشاركة تؤكد أن السرديات الاختزالية لا تصمد أمام الوقائع، وأن المرأة الإيرانية تمارس دورها داخل مجتمعها وفق معادلاته الثقافية والسياسية، بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي تُصاغ في مراكز الخطاب الغربي.