حين بدأت الضربات الأميركية - "الإسـرائيـلية" على إيران في أواخر شباط، كان التصور السائد في غرف التخطيط العسكر ي في واشنطن و"تل أبيب" يقوم على نموذج معروف في تاريخ الحروب الحديثة: الحـرب الخاطفة. الفكرة الأساسية لهذا النموذج بسيطة ومغرية في الوقت ذاته؛ ضربة مركزة وسريعة، تستهـ.ـدف مراكز الـقيا دة والبنية العسـ.ـكر ية الحساسة، تُحدث صدمةً استراتيجيةً تشل قدرة الخصم على اتخاذ القرار، وتفتح الباب أمام انهيارٍ متسلسلٍ في بنية الدولة أو في قدرتها على إدارة المعركة.
في الحسابات النظرية، كان المطلوب أن يحدث كل ذلك خلال أيامٍ قليلةٍ. فالتفوق التكنولوجي والاستخباري الغربي، مقترنًا بقدرةٍ ناريةٍ هائلةٍ، كان يفترض أن يختصر الحـ.ـرب إلى سلسلة عــ..ــملياتٍ دقيقةٍ تنتهي بفرض واقعٍ سياسيٍ جديدٍ على طهران. غير أن ما جرى على الأرض خلال الأيام الأولى من الحرب كشف مفارقةً قديمةً تتكرر في تاريخ الصراعات الكبرى: الضربة العسـ.ـكر ية قد تنجح في إحداث الصدمة، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق النتيجة السياسية المرجوة. ومن هنا تحديدًا بدأ التحول من رهان الحـ.ـرب الخاطفة إلى واقعٍ مختلفٍ تمامًا: زمن الاستنزاف الطويل.
وهم الحسم السريع
الاستراتيجية الأميركية–"الإســـ..ـرائيـلية" في هذه الجولة لم تُبنَ على فرضية الحـ.ـرب الممتدة، بل على فرضية الحسم السريع من ثلاثة إلى أربعة أيامٍ. كان الرهان الأساسي يقوم على استـ..ـهداف الـقيا دة العليا في إيران، وإرباك منظومة القرار، وخلق لحظة اضطرابٍ داخليٍ متزامنٍ مع الضربة العسـ.ـكر ية.
ففي نظر المخططين، فإن اغتيال شخصياتٍ مركزيةٍ في هرم السلطة -وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلا مية السـيد علي خامنئي- كان يمكن أن يشكل لحظة كسرٍ تاريخيةً في بنية النظام الإيراني. فالـقيا دة السياسية والعقائدية في إيران ليست مجرد مؤسسةٍ سياسيةٍ تقليديةٍ، بل تمثل مركز ثقلٍ في بنية النظام كله، بما فيها المؤسسة العسـ.ـكر ية والحــ..ـرس الثـ.ـوري والشبكات الإقليمية المرتبطة به.
وبناءً على هذه الفرضية، كان متوقعًا أن تؤدي الضربة الأولى إلى سلسلةٍ من التفاعلات المتلاحقة: ارتباكٌ في الـقيا دة، صراعٌ داخل النخبة، اضطرابٌ في الشارع، وربما انهيارٌ تدريجيٌ في قدرة الدولة على إدارة الحـ.ـرب. لكنّ ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
سقوط رهان الانفجار الداخلي
أحد أهم عناصر الحـ.ـرب الخاطفة كان الرهان على الجبهة الداخلية الإيرانية. فبعد سنواتٍ طويلةٍ من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، اعتقدت بعض مراكز القرار في الغرب أن المجتمع الإيراني بات هشًا إلى درجةٍ يمكن أن تدفعه الصدمة العسـ.ـكر ية إلى الانفجار.
غير أن التطورات التي تلت الضربات الأولى كشفت أن هذا التقدير كان بعيدًا عن الواقع. فبدلًا من الفوضى المتوقعة، شهدت المدن الإيرانية مظـ.ـاهراتٍ حاشدةً عبّرت عن حالة تعبئةٍ وطنيةٍ واسعةٍ، في مشهدٍ أعاد ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإيراني.
لقد انتقلت الخلافات السياسية والاقتصادية إلى المرتبة الثانية أمام ما اعتبره كثيرون عد وانًا خارجيًا يستهـ.ـدف الدولة نفسها. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تميل المجتمعات -حتى تلك التي تعاني أزماتٍ داخليةً- إلى الالتفاف حول الدولة بدل الانقسام عليها. وهنا تحديدًا انهار أحد أهم رهانات الحـ.ـرب الخاطفة: تفكيك الجبهة الداخلية.
بنية دولة مصممة لتحمل الضربات
ربما يكون الخطأ الأكبر في التقدير الاستراتيجي الغربي هو تجاهل حقيقة أن النظام الإيراني بُني خلال العقود الأربعة الماضية على أساس توقع هذا النوع من السيناريوهات.
فمنذ الحـ.ـرب الإيرانية–العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، عملت طهران على تطوير منظومةٍ مؤسساتيةٍ وأمنيةٍ مصممةٍ لمـ..ـواجهة الضربات المفاجئة وعــ..ــمليات الاغتيال. وفي إطار ما يعرف داخل المؤسسة العسـ.ـكر ية الإيرانية بعقيدة الدفاع "الفسيفسائي"، جرى بناء شبكة قـ.ـيـا دةٍ متعددةِ المستويات، بحيث لا يؤدي غياب أي قائدٍ -مهما كان موقعه- إلى شللٍ في منظومة القرار.
هذه العقيدة تقوم على فكرةٍ بسيطةٍ لكنها فعالة: توزيع السلطة والقدرات العسـ.ـكر ية على نطاقٍ واسعٍ، بحيث تصبح الدولة أقل عرضةً للانهيار نتيجة ضربةٍ واحدةٍ.
وقد تضمنت هذه المنظومة تسمية بدلاء مسبقين للمناصب الحساسة، إضافةً إلى توزيع الصلاحيات بين مستوياتٍ متعددةٍ من الـقيا دة العسـ.ـكر ية والسياسية. والهـ.ـدف من ذلك ليس فقط الاستعداد لسيناريو الاغتيال، بل أيضًا التعامل مع حـ..ـربٍ غير متكافئةٍ ومع قوةٍ عسـ.ـكر يةٍ متفوقةٍ تقنيًا مثل الولايات المتحدة.
من الحرب الخاطفة إلى الاستنزاف
حين تفشل الحـ.ـرب الخاطفة في تحقيق أهدافها خلال الأيام الأولى، فإنها تتحول تلقائيًا إلى نمطٍ مختلفٍ من الصراع: حـ..ـرب الاستنزاف. وهذا التحول ليس مجرد مسألةٍ زمنيةٍ، بل تغيرٌ في طبيعة المعركة نفسها. ففي الحـ.ـرب الخاطفة يكون الهـ.ـدف تحقيق نــ.ـصرٍ سريعٍ عبر الصدمة والمباغتة، بينما تقوم حـ..ـرب الاستنزاف على اختبار قدرة كل طرفٍ على الصمود لفترةٍ أطول.
ومع مرور الأيام الأولى من المـ..ـواجهة، أصبح واضحًا أن البنية العسـ.ـكر ية الإيرانية لم تنهَر، وأن القدرة على الرد الصا روخي ما زالت قائمة. بل إن الحــ..ـرس الثـ.ـوري الإيراني أعلن إطلاق الموجة العشرين من عـ..ــمـلـيـة "الوعد الصادق 4"، مستخدمًا صوا ريخ باليستية متوسطة المدى من طراز "خيبر شكن" استهـ.ـدفت مواقع في وسط "تل أبيب"، من ضمنها وزارة دفاع الـ.ـعـ..ــدو.
ويعد هذا الصا روخ، الذي كشف عنه الحــ..ـرس الثـ.ـوري عام 2022، واحدًا من أبرز عناصر الترسانة الصا روخية الإيرانية، إذ يبلغ مداه نحو 1450 كيلومترًا ويعمل بالوقود الصلب، إضافةً إلى امتلاكه رأسًا حـ..ـربيًا قادرًا على المناورة لتفادي أنظمة الدفاع الجوي. إطلاق هذه الصوا ريخ لم يكن مجرد ردٍ عسـ.ـكر يٍ، بل رسالةً استراتيجيةً واضحةً: إيران ما زالت قادرةً على فرض معادلة الردع رغم الضربات المكثفة.
كلفة الحـ.ـرب المتصاعدة
من أبرز سمات حروب الاستنزاف أنها تحوّل التفوق العسكر ي إلى عبءٍ اقتصاديٍ وسياسيٍ متزايدٍ. فالحـ.ـرب القصيرة قد تكون قابلةً للتحمل حتى بالنسبة لدولٍ كبرى، لكن الحـ.ـرب الطويلة تفرض كلفةً تراكميةً يمكن أن تصبح مع الوقت عاملًا ضاغطًا على القرار السياسي.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن الأيام الأربعة الأولى من الضربات العسـ.ـكر ية كلفت الولايات المتحدة نحو 11 مليار دولار، وفق تحليلٍ أجرته مسؤولة الميزانية السابقة في البنتاغون إيلين مكوسكر. وتشمل هذه الكلفة نشر أكثر من 12 سفينة حـ..ـربية ونحو مئة طا ئرةٍ في الشرق الأوسط، إضافةً إلى استخدام كمياتٍ كبيرةٍ من الصوا ريخ الاعتراضية مثل باتريوت وثاد، فضلًا عن صوا ريخ توماهوك المستخدمة في ضرب الأهداف داخل إيران.
مأزق القوة العسـكر ية
ما يظهر بوضوح في هذه المرحلة من الصراع هو ما يمكن تسميته مأزق القوة. فالقوة العسـ.ـكر ية الهائلة لا تزال تمنح الولايات المتحدة و"إســـ..ـرائيـل" قدرةً كبيرةً على الضرب والتدمـ..ـير، لكنها لم تحقق الهـ.ـدف السياسي الأساسي: إخضاع إيران أو فرض تغييرٍ جذريٍ في سلوكها الاستراتيجي.
هذا التناقض ليس جديدًا في التاريخ. فقد واجهته قوى عظمى كثيرة في حروبٍ سابقةٍ، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان. ففي كل هذه الحالات كانت المشكلة الأساسية ليست في القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، بل في القدرة على تحويل هذا الضرر إلى نتيجةٍ سياسيةٍ مستدامةٍ.
زمن جديد للحـرب
في نهاية المطاف، إذا استمرت المـواجهة في مسارها الحالي، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام مرحلةٍ جديدةٍ من الصراع الطويل الذي يعيد رسم توازنات القوة في المنطقة. فالفشل في تحقيق حسمٍ سريعٍ يعني أن الحـ.ـرب دخلت بالفعل منطق الزمن المفتوح. وفي هذا الزمن، تصبح الأسئلة مختلفة: ليس من يملك السـ.لاح الأكثر تطورًا، بل من يستطيع الصمود فترةً أطول.
ومن هنا تحديدًا يمكن فهم المفارقة الأساسية في هذه الحـ.ـرب: الصدمة التي كان يفترض أن تكسر إيران تحولت إلى لحظةٍ أعادت تعريف المعركة نفسها. فبدلًا من الحـ.ـرب الخاطفة التي راهنت عليها واشنطن و"تل أبيب"، فرضت طهران معادلةً مختلفةً تمامًا: حـ..ـرب استنزافٍ مفتوحةٍ يختبر فيها الزمن حدود القوة والإرادة معًا.
والأرجح أن هذا الاختبار لم يصل بعد إلى فصوله الأخيرة.