بقلم: موسى عبّاس
رغم ألسنة اللهب التي تغطي سماء لبنان، ورغم سياسة "الأرض المحروقة" التي ينتهجها العدو الصهيوني عبر غاراته الجوية والبحرية، ورغم الوجع الإنساني المتمثل في النزوح القسري لبيئة المقاومة، إلا أن القراءة الباردة للميدان الساخن تؤكد حقيقة واحدة: العدوان يترنح استراتيجياً وفشل في تحقيق أهدافه الجوهرية.
سقوط "الضربة القاصمة" وفشل الاستخبارات
كشفت مجريات الأحداث الأخيرة عن شرخ كبير في جدار الأمن الصهيوني. فبينما كان "الكابينيت" قد أعدّ العدة لضربة شاملة وقاصمة للمقاومة الإسلامية كان مقرراً تنفيذها صباح الأحد (8 آذار 2026)، جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن الاحتلال.
لقد أثبتت المقاومة امتلاكها لزمام المبادرة المعلوماتية، حيث استبقت الضربة بهجوم أفقد العدو عنصر المفاجأة. هذا التفوق الأمني لم يحمِ القيادات العسكرية والسياسية من التصفية فحسب، بل نقل العدو من وضع "المُهاجم المخطط" إلى وضع "المُربك" الذي فقد قدرته على إلحاق الأذى البنيوي بالحزب، كما كان يطمح مقارنة بحروب سابقة.
تخبط "بنك الأهداف" واستهداف المدنيين
مع مرور الأيام، يتضح أن جيش الاحتلال لا يملك "بنك أهداف" حقيقي. إن تركيز الغارات على المباني السكنية والمنشآت المدنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت هو دليل إفلاس عسكري؛ فالعدو يحاول التعويض عن فشله في الميدان بالضغط على الحجر والبشر، ساعياً لخلق شرخ بين المقاومة وبيئتها، وهو مراهنة أثبتت الأيام عقمها أمام صلابة "شعب المقاومة".
ملحمة البَرْ: الخيام وكفركلا والضهيرة
على خطوط المواجهة الأمامية، سقطت أوهام "التفوق البري". ففي محاور القطاع الشرقي، وتحديداً في مدينة الخيام وكفركلا، وفي القطاع الغربي عند الضهيرة، فوجئ العدو بشراسة منقطعة النظير. رغم كل الادعاءات السابقة عن تدمير البنية التحتية للمقاومة جنوب الليطاني وتفجير المواقع التي تم إخلاؤها، وقعت آليات العدو وجنوده في كمائن محكمة، وتحولت المواقع التي احتلت سابقاً إلى مصيدة للمحتل، حتى وصل لظى العمليات إلى مستوطنات الحدود مثل "المطلة" و"زرعيت".
تآكل الردع الجوي والتقني
لم يقتصر الفشل الصهيوني على البر، بل امتد ليفشل في:
• منع المسيرات: التي واصلت دك ثكناته داخل فلسطين المحتلة.
• الدفاع الجوي: حيث نجحت المقاومة في إسقاط مسيرتين للعدو، مما أصاب قدراته الاستطلاعية في مقتل.
• الصواريخ الباليستية: التي استمرت في استهداف "تل أبيب" والمدن الكبرى برؤوس إنشطارية دقيقة، مما أربك منظوماته الدفاعية واستنزف قدراتها.
وعلاوة على ذلك، صُدم العدو بعودة المدافع للقصف من جنوب الليطاني، مما يثبت فشل الرهان على أن القوات الدولية أو الضغوط السابقة قد أنهت الوجود العسكري للمقاومة هناك.
—وحدة الساحات وانكسار "الشرق الأوسط" الهجين:
في المحصلة، يجد العدو الصهيوني نفسه اليوم أمام حقيقة ميدانية لم تكن في حسابات "كابينيت" الحرب؛ فالصمود الأسطوري في قرى الحافة الأمامية ليس مجرد دفاع عن جغرافيا لبنانية، بل هو حجر الزاوية في استراتيجية إقليمية متكاملة أربكت حسابات "واشنطن" وتل أبيب معاً. إن التنسيق العالي والمستمر بين قيادة المقاومة في لبنان والجمهورية الإسلامية في إيران قد نقل المعركة من "مواجهة محلية" إلى "حرب استنزاف استراتيجية" كشفت عجز المنظومات الدفاعية الصهيونية وأنهكت مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.
بينما يراهن "ترامب" و"نتنياهو" على كسر إرادة البيئة الحاضنة عبر سياسة التهجير، تُثبت الوقائع أن هذا الشعب الذي يرضع العزة مع شعار "هيهات منا الذلة"، لن يمنح الاحتلال صك استسلام عجز عن انتزاعه بالميدان. إن الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به "رايس" في 2006 ويحاول "ترامب" إحياءه اليوم، يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أقدام المقاومين الذين لا يقبلون "إقرار العبيد" مهما غلت التضحيات.
ستكشف الأيام القادمة أن "الباطل كان زهوقاً"، وأن دماء الشهداء وتنسيق المحور قد رسخا معادلة جديدة: الأرض لأصحابها والسيادة للأحرار، أما المتصهينون في الداخل والخارج، فسيجدون أنفسهم مرغمين على تجرع سم الهزيمة مع أسيادهم، ليبقى لبنان والمنطقة عصية على الانكسار أمام أي "مجنون" يظن أن القوة العسكرية وحدها تصنع التاريخ.