في لحظة سياسية بالغة الحساسية، دعا رئيس الجمهورية إلى اعتماد "قوة المنطق" بدل "منطق القوة"، في معالجة القضايا الوطنية الكبرى.
وهي دعوة تبدو في ظاهرها عقلانية ومسؤولة، لأن الدول تُبنى فعلًا بالقانون والمؤسسات لا بالفوضى.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو:
هل يُمكن استخدام "قوة المنطق"، لتجريم حقٍ أقرّه الدستور والقانون الدولي معًا، وهو حق مقاومة الاحتلال؟
وهل يُعقل أن تتحول الدعوة إلى "قوة المنطق"، إلى أداة سياسية لتجريد لبنان من وسائل الدفاع عن نفسه، في وقت لا يزال العدو الإسرائيلي، يحتل أراضي لبنانية، ويواصل إعتداءاته؛ اليومية؟
1-القسم الدستوري: التزام بحماية السيادة لا التخلي عنها
ينص الدستور اللبناني في المادة 50 على القسم الذي يؤديه رئيس الجمهورية قبل تسلّم مهامه:
"أحلف بالله العظيم أني أحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه."
هذا القسم ليس إجراءً بروتوكوليًا فقط، بل التزام دستوري صريح بحماية إستقلال لبنان وسلامة أراضيه.
ومن البديهي أن سلامة الأراضي لا تُحفظ بالبيانات السياسية، بل بإمتلاك القدرة على الدفاع عنها، خاصة عندما يكون البلد في مواجهة عدو يحتل أرضه ويهدد أمنه بشكل دائم.
فكيف يمكن التوفيق بين القسم الدستوري الذي يفرض حماية الأرض، وبين الدعوات التي تسعى إلى نزع وسائل الدفاع عنها قبل زوال الاحتلال؟‼️‼️‼️
2- البيان الوزاري:
العقد الدستوري الذي نالت الحكومة الثقة على أساسه، حكومة الرئيس نواف سلام، نالت ثقة مجلس النواب، على أساس بيان وزاري واضح يؤكد التزامها:
بالدستور اللبناني
بحماية سيادة لبنان
وبالدفاع عن سلامة أراضيه؛
والبيان الوزاري في النظام البرلماني اللبناني ليس مجرد إعلان نوايا، بل عقد سياسي دستوري بين الحكومة ومجلس النواب.
وبالتالي فإن أي سياسة تتناقض مع مضمون هذا البيان تمثل خرقًا للالتزام الذي مُنحت الحكومة الثقة على أساسه.
فالدفاع عن السيادة ليس شعارًا سياسيًا، بل واجب دستوري وقانوني.
3- القانون الدولي: حق الشعوب في مقاومة الاحتلال
الأمر لا يتوقف عند الدستور اللبناني، بل يتجاوزه إلى القانون الدولي نفسه.
فالقانون الدولي، يعترف صراحة بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
فقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51 على الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس عند وقوع عدوان مسلح.
كما أكدت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا سيما القرار 3070 لعام 1973 والقرار 37/43 لعام 1982:
شرعية كفاح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح.
بل إن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، اعترف صراحة بشرعية نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الإستعمارية، أو الاحتلال الأجنبي من أجل تقرير مصيرها.
وبذلك يصبح تجريم المقاومة ضد الاحتلال، تناقضًا مباشرًا مع القانون الدولي نفسه.
4-المفارقة الكبرى:
عندما يصبح الدفاع عن الوطن جريمة،
المفارقة التي يواجهها لبنان اليوم، هي أن النقاش السياسي يجري، وكأن المشكلة تكمن في وجود المقاومة، لا في وجود الاحتلال والعدوان.
وهذا قلب كامل للمنطق.
فالمقاومة في جوهرها ليست سبب المشكلة، بل نتيجة لها.
فالاحتلال هو الذي يولد المقاومة، وعندما يزول الاحتلال تزول الحاجة إليها.
أما المطالبة بنزع وسائل الدفاع قبل إزالة الخطر، فهي تشبه مطالبة دولة ما بتفكيك جيشها بينما حدودها تتعرض للاعتداء.
5- شهادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري
هذا المنطق لم يكن يومًا موضع خلاف في التاريخ السياسي اللبناني.
فالرئيس الشهيد رفيق الحريري كان واضحًا في هذا الشأن عندما قال: "لا توجد حكومة في العالم، تستطيع أن تنزع سلاح المقاومة، فيما أرضها ما زالت محتلة."
وكان يؤكد باستمرار:
"المقاومة وجدت بسبب الاحتلال، وعندما يزول الاحتلال تنتفي الحاجة إليها."
بل ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر أن أي حكومة تقدم على نزع سلاح المقاومة، في ظل الإحتلال، هي حكومة تخدم مصلحة العدو.
وهذا الموقف لم يكن موقفًا أيديولوجيًا، بل موقفًا واقعيًا قائمًا على منطق الدولة نفسها.
فبين قوة المنطق، ومنطق الإملاءات،
إذا كان المطلوب فعلًا اعتماد قوة المنطق، فإن المنطق القانوني والدستوري واضح تمامًا:
- الدستور يفرض حماية الأرض.
- البيان الوزاري يلتزم الدفاع عن السيادة.
- القانون الدولي يعترف بحق مقاومة الاحتلال.
وبالتالي فإن قوة المنطق تقود إلى نتيجة واحدة:
لا يمكن مطالبة شعب بالتخلي عن وسائل الدفاع عن نفسه، بينما لا يزال الاحتلال قائمًا والاعتداءات مستمرة.
أما تحويل هذه المسألة إلى استجابة لإملاءات خارجية، فهو ليس "قوة المنطق" ، بل استبدال "منطق القانون" بمنطق القوة الدولية والضغوط السياسية.
6- الخلاصة
إن المسألة المطروحة اليوم، ليست مسألة سلاح أو سياسة داخلية فحسب.
إنها مسألة سيادة وطن، وحق شعب في الدفاع عن أرضه.
وعندما يعجز المجتمع الدولي عن فرض احترام القانون على المعتدي، يصبح من غير المقبول أن يُطلب من الضحية، التخلي عن حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها.
ففي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة:
المقاومة ليست خرقًا للقانون…
بل الإحتلال هو الخرق الأكبر لكل القوانين.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
08 آذار/ مارس 2026