مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل وإيران، يزداد السؤال حضوراً في الأوساط السياسية والاستراتيجية هل دفع بنيامين نتنياهو دونالد ترامب إلى حرب لم تكن حساباتها دقيقة، وربما لم تكن نتائجها محسوبة كما يجب منذ البداية؟
في بداية هذه المواجهة، بدا أن الرهان الإسرائيلي – الأميركي يقوم على ضربة سريعة ومركزة قادرة على إحداث صدمة داخل النظام الإيراني. كان التصور أن استهداف القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى كبار القادة العسكريين، قد يؤدي إلى حالة من الارتباك الداخلي وربما إلى إضعاف النظام أو فتح الباب أمام تغييرات عميقة في بنية السلطة داخل إيران.
لكن الشرق الأوسط نادراً ما يسير وفق الخطط النظرية. فسرعان ما أخذت الحرب مساراً مختلفاً، وتحولت المواجهة إلى صراع مفتوح بلا هدف واضح سوى التدمير المتبادل واستنزاف القدرات.
إسرائيل، التي بدأت الحرب على أمل تحقيق ضربة حاسمة، تبدو اليوم وكأنها تسعى إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الدمار في البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية. وفي المقابل، اتخذت إيران وحلفاؤها القرار ذاته الرد بمنطق الاستنزاف وتوسيع دائرة الضغط على إسرائيل في أكثر من ساحة.
المفاجأة الكبرى في هذا المشهد كانت عودة حزب الله إلى المعركة بقوة أكبر مما توقعه الإسرائيليون. فبعد تقديرات إسرائيلية تحدثت عن استنزافه، ظهر الحزب لاعباً فاعلاً يعيد فتح جبهة الشمال ويزيد من تعقيد الحسابات العسكرية. كذلك دخلت فصائل الحشد الشعبي في العراق على خط الضغط الإقليمي، ما وسّع من دائرة التوتر وأعاد العراق إلى قلب معادلة الصراع.
أما السؤال الذي يثير القلق الحقيقي لدى صناع القرار في المنطقة فهو: ماذا عن اليمن؟ فهذه الساحة، التي جرى التقليل من تأثيرها في بداية المواجهة، قد تتحول في أي لحظة إلى جبهة إضافية تضاعف كلفة الحرب وتوسع نطاقها الجغرافي.
وبذلك تتحول الحرب تدريجياً إلى حرب استنزاف شاملة، لا تبدو فيها أي جهة قادرة على تحقيق نصر سريع أو حاسم، بل مجرد سباق على قدرة التحمل وإيقاع أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر.
وجاء استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي ليضيف بعداً أكثر خطورة إلى الصراع. فبدلاً من أن يؤدي الحدث إلى إضعاف إيران كما توقع البعض، تحول إلى لحظة تعبئة دينية وسياسية داخل العالم الشيعي. فقد جرى تقديم الحرب على أنها لم تعد حرباً على إيران فقط، بل حرباً إسرائيلية - أمريكية تستهدف الطائفة الشيعية بشكل عام، وهو خطاب يحمل في طياته احتمال توسع الصراع إلى ساحات غير متوقعة.
هذا التحول يفتح الباب أمام سيناريوات خطيرة، من بينها تهديد المصالح الإسرائيلية والأمريكية في مناطق متعددة من العالم، عبر شبكات وتحالفات قد تتحرك خارج الإطار التقليدي للحروب بين الدول.
وسط كل ذلك، يبرز موقع دونالد ترامب في هذه المعادلة. فالرئيس الأميركي الذي دخل المواجهة على أساس تقديرات بإمكانية تحقيق نتائج سريعة، قد يجد نفسه اليوم أمام حرب أطول وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. وإذا استمرت المعركة وتوسعت جبهاتها، فقد يكتشف العالم أن واشنطن تورطت في صراع إقليمي واسع، يصعب التحكم بمساراته أو توقع نهاياته.
من هنا يعود السؤال الأول ليطرح نفسه بقوة ؟؟ هل كانت التقديرات التي بُنيت عليها هذه الحرب واقعية فعلاً، أم أن نتنياهو نجح في دفع واشنطن إلى مواجهة قامت على حسابات مفرطة في التفاؤل؟
في الشرق الأوسط، كثيراً ما تبدأ الحروب بخطط واضحة، لكن نهاياتها نادراً ما تشبه تلك الخطط. وفي هذه الحرب تحديداً، قد لا يكون الخطر الأكبر في بدايتها، بل في الطريق الطويل الذي قد تفتحه أمام المنطقة والعالم .