موسكو .. بين دعم طهران وتجنب المواجهة
مقالات
موسكو .. بين دعم طهران وتجنب المواجهة
مهدي مبارك عبد الله
9 آذار 2026 , 20:25 م

موسكو .. بين دعم طهران وتجنب المواجهةد. مهدي مبارك عبد الله

منذ اندلاع الحرب الحالية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى برز السؤال حول موقع روسيا في هذا الصراع المعقد خاصة بعد تصريح السفير الروسي في لندن الذي أكد فيه أن موسكو ليست محايدة وأنها تدعم إيران وهذا التصريح أعاد فتح النقاش حول طبيعة الدعم الروسي وحدوده لأن الوقائع الميدانية تشير إلى أن موسكو لم تدخل الحرب بشكل مباشر ولم تقدم لإيران مظلة عسكرية واضحة كما توقع بعض المراقبين ولذلك تبدو السياسة الروسية أقرب إلى إدارة دعم محسوب لطهران يسمح لها بالبقاء في معادلة الصراع دون أن تتحول إلى طرف مقاتل في الحرب

في الواقع يدرك الكرملين أن المواجهة الحالية ليست مجرد صراع إقليمي محدود بل هي حرب يمكن أن تتوسع بسرعة إلى مواجهة بين قوى كبرى ولذلك فإن أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران قد يضع روسيا في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في وقت تخوض فيه موسكو حربا طويلة ومكلفة في أوكرانيا لهذا السبب اختارت القيادة الروسية تبني استراتيجية تقوم على دعم إيران سياسيا واستراتيجيا دون الانخراط المباشر في العمليات العسكرية

لكن القول إن روسيا بقيت خارج الصراع تماما لا يعكس الصورة الكاملة للحقائق فقد كشفت تقارير استخباراتية أمريكية أن موسكو قدمت لطهران معلومات دقيقة عن مواقع الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط بما في ذلك السفن الحربية والطائرات والقواعد العسكرية وتشير هذه التقارير إلى أن هذه المعلومات ساعدت إيران على توجيه ضربات أكثر دقة إلى رادارات الإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة وهو ما يفسر ارتفاع مستوى التعقيد في بعض الهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع أمريكية خلال الحرب الحالية.

هذا النوع من الدعم يعكس طبيعة الدور الروسي في الصراع وهو دور يعتمد على القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية أكثر من اعتماده على القوة العسكرية المباشرة فروسيا تمتلك منظومات استطلاع فضائي وأقمارا صناعية عسكرية متطورة يمكنها توفير صور ومعلومات دقيقة عن تحركات القوات الأمريكية في المنطقة وهو ما يمثل قيمة كبيرة لإيران التي لا تمتلك منظومة فضائية عسكرية متكاملة بهذا الخصوص لذلك فإن الدعم الروسي في هذا المجال يمكن أن يمنح طهران قدرة أفضل على اختيار الأهداف وتوقيت الضربات دون أن يترك بصمة عسكرية روسية مباشرة في ساحة المعركة

مع كل ذلك فإن هذا الدعم يبقى محدودا إذا ما قورن بما كان يمكن أن تقدمه موسكو لو قررت الانحياز الكامل إلى جانب إيران فروسيا لم تزود طهران حتى الآن بأنظمة دفاع جوي متطورة إضافية قادرة على مواجهة التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي كما لم تقدم لها أسلحة بحرية متقدمة أو صواريخ باليستية بعيدة المدى يمكن أن تغير ميزان القوى في المواجهة وهذا يعني أن موسكو حريصة على إبقاء دعمها ضمن حدود لا تدفعها إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو إلى تصعيد إقليمي واسع

هذا التوازن يعكس أيضا طبيعة الحسابات الروسية في الشرق الأوسط حيث تحرص موسكو على الحفاظ على علاقات متعددة مع أطراف متنافسة في المنطقة وروسيا لا تريد خسارة إيران كشريك استراتيجي مهم لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانحياز الكامل لطهران قد يضر بعلاقاتها مع قوى إقليمية أخرى كما قد يدفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف أكثر عدائية تجاهها في ساحات أخرى من الصراع الدولي ولذلك تحاول موسكو السير على خط دقيق بين دعم حليفها الإيراني وتجنب التورط في حرب إقليمية واسعة

هكذا يمكن القول إن روسيا اختارت خوض هذه الحرب من موقع غير مباشر حيث تدعم إيران في بعض المجالات الحيوية لكنها تترك لها عبء المواجهة العسكرية على الأرض وهذا الدور قد يبدو للبعض أقل مما كانت طهران تأمله من شريك استراتيجي كبير لكنه في الوقت نفسه يعكس حسابات القوة والمصلحة التي تحكم سلوك الدول الكبرى في الأزمات الدولية

من زاوية التحليل السياسي الواقعي يبدو أن خيار موسكو بعدم تقديم دعم عسكري كامل لإيران قد يكون أقرب إلى حسابات المصلحة الاستراتيجية الروسية على المدى القريب فالدعم العسكري المباشر عبر تزويد طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة أو صواريخ بعيدة المدى أو أسلحة بحرية قادرة على تغيير ميزان القوى كان سيعني عملياً دخول روسيا في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وربما توسيع الحرب إلى صراع دولي أكبر

في المقابل إن الاكتفاء بالدعم السياسي والاستخباراتي يمنح موسكو قدرة على التأثير في مسار الصراع دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة أو مخاطر التصعيد غير المحسوب ومع ذلك فإن هذه السياسة تحمل جانباً سلبياً من زاوية أخرى لأنها تضعف صورة التحالف الروسي الإيراني وتترك طهران تقاتل بقدراتها الذاتية إلى حد كبير لذلك فإن الموقف الروسي الحالي يمكن فهمه كخيار براغماتي يوازن بين الرغبة في دعم شريك استراتيجي وبين الحرص على تجنب حرب أوسع مع الغرب لكنه في الوقت نفسه لا يرقى إلى مستوى التحالف العسكري الكامل الذي قد يغير موازين الحرب

على مستوى النتائج المحتملة فإن استمرار هذا الموقف الروسي المتأرجح بين الدعم والحياد قد يترك آثاراً عميقة على الطرفين إذا انتهت الحرب بهزيمة إيران أو باستنزاف قدراتها العسكرية بشكل كبير فحينها إيران قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم طبيعة تحالفاتها الدولية وإلى التساؤل عن مدى الاعتماد على شركاء يقدمون دعماً محدوداً في لحظات الاختبار الكبرى

بهذا التصور قد تخسر روسيا جزءاً كبيرا من رصيدها السياسي في المنطقة إذا ظهر أنها لم تتمكن من حماية أحد أبرز شركائها في مواجهة الضغط الأمريكي والإسرائيلي كما أن إضعاف إيران استراتيجياً قد يغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط بطريقة قد لا تكون بالضرورة في مصلحة موسكو على المدى الطويل لذلك فإن السياسة الروسية الحالية قد تحقق لموسكو مكاسب تكتيكية في تجنب المواجهة المباشرة لكنها تحمل في الوقت ذاته مخاطر استراتيجية إذا انتهت الحرب بإضعاف إيران إلى حد يفقد روسيا شريكاً مهماً في معادلة النفوذ الإقليمي المعقدة

في المحصلة يظهر الموقف الروسي في هذه الحرب كسياسة دعم محسوب لا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري الكامل لكنها أيضا لا تعني التخلي الكامل عن إيران فموسكو تقدم لطهران أدوات تساعدها على تحسين قدرتها القتالية خاصة في مجال المعلومات والاستخبارات لكنها تتجنب تقديم الدعم العسكري الذي قد يغير ميزان الحرب بشكل جذري وهذا يعكس براغماتية السياسة الروسية التي تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط دون أن تدفع ثمن مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد لاتكون نتائجها في صالح موسكو

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]