كيف يجري تسويق الحرب على إيران بوصفها إرادة إلهية ونبوءة توراتية !
مقالات
كيف يجري تسويق الحرب على إيران بوصفها إرادة إلهية ونبوءة توراتية !
مهدي مبارك عبد الله
11 آذار 2026 , 16:32 م

د. مهدي مبارك عبد الله

في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بدأت تظهر ملامح خطاب غير مألوف في تفسير الحروب المعاصرة يتجاوز الحسابات والخطط العسكرية البحتة ليضع المواجهة في إطار ديني عقائدي يقدَّم أحيانا باعتباره جزءا من إرادة إلهية أو نبوءة توراتية تتعلق بنهاية الزمان

اللافت انه بدلا من تقديم هذه الحرب بوصفها صراعا جيوسياسيا تقليديا تحكمه المصالح الاستراتيجية وموازين القوى الإقليمية جري في بعض الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية تسويقها باعتبارها فصلا من سردية دينية كبرى ترتبط بتصورات عن معارك آخر الزمان وهذا التحول المتعمد في لغة الخطاب لا يمثل مجرد تغيير بلاغي في التعبير السياسي بل يعكس انزياحا أيديولوجيا عميقا يطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة الحروب التي قد يخوضها العالم في المرحلة المقبلة

المفهوم الدقيق لوصف الحرب بأنها دينية لا يعني بالضرورة أن أطرافها تقاتل بدافع عقائدي صرف بل قد يشير إلى استخدام الدين كأداة تعبئة وتبرير أخلاقي وسياسي للحرب والحروب المتعددة في التاريخ غالبا ما سعت إلى الاستناد إلى منظومات رمزية تمنحها شرعية أخلاقية أمام الرأي العام غير أن الجديد في الخطاب المتصاعد داخل بعض الأوساط الأمريكية هو الانتقال من استخدام الدين كرمزية ثقافية إلى تقديم الحرب نفسها بوصفها جزءا من ( خطة إلهية أو تحقيقا لنبوءات توراتية ) وبهذا المعنى يصبح الصراع أكثر تعقيدا وخطورة لأن تحويله إلى إطار ديني يرفعه فوق النقاش السياسي التقليدي ويمنحه بعدا مقدسا يصعب مراجعته أو مساءلته

التوجه بسرديته الكاملة أثار جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة نفسها خاصة بعد ظهور تقارير تتحدث عن استخدام بعض القادة العسكريين خطابات دينية متشددا في توجيه الجنود قبل البدء بالعمليات العسكرية المرتبطة بإيران كما تشير شهادات لجنود وضباط إلى أن قادتهم تحدثوا معهم عن الحرب باعتبارها جزءا من خطة إلهية مرتبطة بنبوءات توراتية وردت في الكتاب المقدس ولا سيما في سفر الرؤيا الذي تفسره بعض التيارات الإنجيلية المتشددة باعتباره يتحدث عن معركة كونية نهائية تعرف في الأدبيات الدينية باسم ( هرمجدون ) ووفق هذه التصورات تصبح الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط ليست مجرد نزاعات سياسية بل إشارات تمهد لعودة المسيح ونهاية التاريخ كما يتخيلها انصارهذا التيار الديني المتطرف

الخطاب بلغته الغريبة لم يمر دون اعتراض داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها فقد قُدمت مئات الشكاوى من جنود في وحدات مختلفة أعربوا عن قلقهم من استخدام قادتهم خطابا دينيا يفرض تصورا عقائديا على أفراد الجيش الذين ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية متنوعة ومن اللافت أن هذه الاعتراضات لم تصدر فقط عن جنود من ديانات أخرى كالإسلام أو اليهودية بل شملت أيضا مسيحيين رأوا أن إدخال التفسيرات الدينية في توجيه العمليات العسكرية يمثل تجاوزا خطيرا لمبدأ الفصل بين الدين والدولة الذي يقوم عليه النظام الدستوري الأمريكي كما حذر منتقدون من أن الطبيعة الهرمية الصارمة داخل الجيش تجعل الجنود في وضع حساس إذا أرادوا الاعتراض على مثل هذه الخطابات خوفا من التأثير على مسيرتهم المهنية

الجدل عن تحول أوسع في البيئة الفكرية والسياسية داخل الولايات المتحدة كشف عن صعود نفوذ تيارات ما يعرف بالقومية المسيحية التي ترى أن الدولة الأمريكية ينبغي أن تقوم على أساس الهوية الدينية المسيحية وأن تلعب دورا محوريا في تحقيق ما تعتبره نبوءات دينية تتعلق بنهاية العالم وفي هذا السياق لا تفهم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط فقط من زاوية المصالح الاستراتيجية أو التحالفات التقليدية بل أيضا من زاوية تصورات لاهوتية ترى في المنطقة مسرحا لتحقيق سرديات دينية قديمة

هذه الرؤيا تتساوق مع خطاب ديني مواز في إسرائيل حيث تتداخل الرمزية التوراتية مع اللغة العسكرية والسياسية في توصيف الصراع مع إيران والجيش الإسرائيلي اعتاد منذ عقود إطلاق أسماء ذات جذور دينية أو توراتية على عملياته العسكرية في محاولة لربط الحاضر بسردية تاريخية ممتدة في الذاكرة اليهودية غير أن بعض العمليات الأخيرة حملت دلالات رمزية لافتة عندما تم اختيار تسميات تستحضر صور القوة التوراتية أو لحظات تاريخية تتعلق بصراع اليهود مع الإمبراطوريات القديمة في المنطقة

تلاقي السرديات الدينية التاريخية بين اليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة واليمين الديني في إسرائيل يشكل نوع من التقاطع الأيديولوجي العابر للحدود فبعض التيارات المسيحية الصهيونية في الغرب ترى في قيام إسرائيل وتحالفها مع الولايات المتحدة جزءا من مخطط إلهي أكبر وتعتقد أن الصراع مع قوى إقليمية مثل إيران يمثل خطوة في مسار طويل يقود في النهاية إلى تحقق نبوءات توراتية تتعلق بإعادة بناء الهيكل في القدس وعودة المخلص وبهذا المعنى يتحول الشرق الأوسط في مخيلة هذه التيارات إلى مسرح واسع لسيناريو ديني كوني يتجاوز حدود السياسة الواقعية

أخطر ما يكشفه الخطاب الديني المتصاعد داخل بعض الأوساط العسكرية والسياسية الأمريكية ليس فقط احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة بل التحول الفكري الذي يحاول إعادة تعريف الصراع بلغة دينية مقدسة تضعه خارج حدود العقل السياسي والحسابات الاستراتيجية فحين يقدم القتال للجنود بوصفه تحقيقا لإرادة إلهية أو امتدادا لنبوءات توراتية فإن الحرب لا تعود مجرد قرار سياسي قابل للمراجعة بل تتحول إلى مهمة عقائدية ينظر إلى التراجع عنها كأنه تخلي عن قدر مقدس

استمرار هذا النهج داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية يحمل في طياته مخاطر عميقة ليس على الشرق الأوسط فحسب بل على تماسك المجتمع الأمريكي ذاته فالجيش الذي يقوم على تنوع ديني وثقافي واسع لا يمكن أن يدار بعقيدة دينية واحدة دون أن يفتح ذلك الباب أمام انقسامات داخلية وصراعات قيمية تمس أحد أهم الأسس التي قامت عليها الدولة الأمريكية الحديثة وهو مبدأ الفصل بين الدين والدولة

المسؤولية التاريخية تقتضي من الولايات المتحدة أن تعيد النظر في هذا المسار قبل أن يتحول إلى جزء من بنيتها الفكرية والعسكرية والدولة التي قدمت نفسها لعقود طويلة بوصفها نموذجا للحريات الدينية والتعدد الثقافي لا يليق بها أن تسمح بانزلاق مؤسساتها العسكرية إلى خطاب يخلط بين الإيمان الديني وقرارات الحرب والسلم

العالم اليوم لا يحتاج إلى حروب مقدسة جديدة بل إلى عقلانية سياسية قادرة على إدارة الصراعات وفق قواعد القانون الدولي ومصالح الشعوب وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة حقا على دورها العالمي ومكانتها الحضارية فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر استدعاء نبوءات آخر الزمان إلى ساحات القتال بل عبر العودة إلى القيم التي قامت عليها تجربتها الحديثة دولة مدنية وجيش وطني مهني واحترام كامل لحرية الأديان دون تحويلها إلى وقود للصراعات خاصة وان الحروب التي تبدأ باسم الرب غالبا ما تطيل طريق الإنسانية نحو الأمن والسلام

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]