في لحظة إقليمية حرجة، ومع تصاعد التوترات والحروب في الشرق الأوسط، وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطاباً خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، محذراً من الانزلاق إلى صراع طائفي في المنطقة . لم يكن هذا التحذير مجرد خطاب ديني أو سياسي تقليدي، بل محاولة واضحة لتحليل ما قد يحدث إذا توسعت الصراعات الحالية إلى مواجهة مذهبية واسعة خاصة في ظل التحريض القائم على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها .وهنا يبدو بأن الرئيس التركي يحذر من أحداث خطيرة قادمة للمنطقة في ظل الحرب الدائرة الشرق الأوسط .
ولذلك قال أردوغان بوضوح إنه “لا يوجد دين اسمه السنية ولا دين اسمه الشيعية… ديننا هو الإسلام”، مضيفاً عبارة رمزية حين قال إن “علياً لنا وعمر لنا”، جميعاً في إشارة إلى ضرورة التعامل مع الشخصيات التاريخية التي شكلت محور الخلاف بين المذهبين باعتبارها جزءاً من التراث الإسلامي المشترك، لا سبباً لإحياء صراعات جديدة.
وهذا يؤكد بأن أردوغان يدرك وجود مخطط كبير للمنطقة و أن هناك من يحاول استغلال الانقسامات الطائفية لتحقيق مشاريع تخدم إسرائيل في مشروعها ،وإعادة إنتاج شرق أوسط جديد وفق معادلات تتيح لها فرض نفوذ أوسع.
خاصة بعد التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول انهاء “المحور الشيعي” والمحور السني الذي يتشكل لاحقاً،
وهنا تنظر أنقرة لهذه المشاريع بأنها قد تدفع المنطقة إلى صراع هوياتي أوسع، وهو ما يشكل تهديداً للفوضى الإقليمية التي تعتبرها تركيا أخطر ما يمكن أن يواجه الجميع.
في هذا السياق، تلتقي تركيا أحياناً مع إيران في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، ليس بالضرورة بوصفه تحالفاً استراتيجياً، بل كجزء من توازنات تهدف إلى تقليص الدور الإسرائيلي في المنطقة ومنع استغلال الفوضى لمصالح إسرائيلية. فالهدف التركي هو الحد من امتداد الصراع، وضمان عدم انتقاله إلى مواجهة مذهبية واسعة يصعب احتواؤها.
وللخطاب بعد داخلي أيضاً، فالمجتمع التركي يضم تنوعاً مذهبياً ، وأي تصعيد طائفي في الشرق الأوسط قد ينعكس على الداخل التركي، ما يجعل منع انتقال الانقسامات الطائفية إلى الداخل أولوية.
كما تسعى تركيا إلى تقديم نفسها كقوة توازن في المنطقة، قادرة على التواصل مع أطراف متعارضة، والحفاظ على علاقاتها مع دول عربية وإسلامية مختلفة، لتكون قادرة على لعب دور وسيط في أوقات الأزمات.
ختاماً، يمكن اعتبار خطاب أردوغان تحذيراً مزدوجاً من الفتنة المذهبية ومن الفوضى الإقليمية، وفي الوقت نفسه محاولة لتأكيد أن ما يجري في الشرق الأوسط جزء من مواجهة أوسع ضد العالم الإسلامي. الرسالة واضحة إذا تحولت الحروب إلى صراع طائفي شامل، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من الفوضى العميقة لن يكون أحد قادراً على السيطرة عليها، ولن يبقى أي طرف بعيداً عن نارها.