قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان
أخبار وتقارير
قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان "اليوم 16: هرمز-الخطوة الأولى في طريق النصر العظيم"
17 آذار 2026 , 17:11 م

تاريخ الحلقة: 15.03.2026

*مقدمة:*

في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، تتبدل معايير القوة وتنهار المسلّمات التي بدت لزمن طويل وكأنها حقائق ثابتة. تلك اللحظات لا تُقرأ من خلال الضجيج الإعلامي أو التحليلات السريعة، بل عبر فهم مراكز الثقل الحقيقية للصراع وكيف تتبدل في قلب المعركة. ويستحضر عوض بما قاله الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر، أن "القائد الحقيقي هو من يفهم ما يجري اليوم بدقة، ويعرف ما سيحدث غدا" ويتدخل في اللحظة المناسبة" لأن فهم الحاضر هو الطريق الوحيد لصناعة المستقبل.

فالحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية، بل هي جزء من صراع أوسع يعكس مرحلة انتقالية في النظام الدولي وشكل العالم الجديد . فمنذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، استقرت الهيمنة العالمية في يد المنظومة الأنغلوساكسونية بقيادة الولايات المتحدة، لكن التحولات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين وكان مركزها هو الأحداث الدامية في منطقتنا بدأت تضع تلك الهيمنة أمام اختبار تاريخي.

في هذا السياق تبرز أهمية المضائق البحرية الكبرى، بوصفها عقد الجغرافيا السياسية التي يتقاطع عندها الاقتصاد العالمي والطاقة والتجارة. ومن بين هذه المضائق يحتل مضيق هرمز مكانة استثنائية، إذ يشكل شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز في العالم. ولذلك فإن أي تحول في ميزان السيطرة أو التأثير في هذا المضيق لا يعني مجرد تغير تكتيكي في الحرب، بل سيكون مؤشراً على تحول استراتيجي في بنية النظام الدولي نفسه.

انطلاقاً من هذه الفرضية، يمكن قراءة التطورات الجارية بوصفها بداية لمرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة القوى التقليدية على فرض إرادتها العسكرية والسياسية، فيما تتقدم قوى إقليمية ودولية أخرى لتعيد تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط والعالم. وفي قلب هذه التحولات تبرز معركة السيطرة على خطوط الطاقة والممرات البحرية، حيث يصبح مضيق هرمز خطوة تأسيسية في معركة أوسع على مستقبل النظام العالمي.

من هنا يطرح عوض ثلاث قواعد منهجية لقراءة الحرب:

- *التفكير خارج القوالب القديمة:* لأن الحروب الكبرى تعيد تشكيل النظام العالمي ولا يمكن فهمها بأدوات تحليل تقليدية.

- *التمييز بين المؤشرات والوقائع:* المؤشرات إرهاصات واحتمالات أما الوقائع فهي أحداث حدثت فعلاً وتغيّر ميزان القوى.

- التحليل من الميدان لا من الإعلام إذ يعتبر أن كثيراً من "الخبراء" يعيدون إنتاج السرديات الغربية أو الرسمية.

*أولاً: مضيق هرمز كمركز الثقل الاستراتيجي للحرب*

المحور الأساسي للحلقة هو اعتبار مضيق هرمز نقطة التحول الكبرى. والخطوة الأولى في تحقيق النصر العظيم

يرى عوض أن السيطرة أو التأثير في هذا المضيق تعني عملياً التأثير في الاقتصاد العالمي، لأن:

- نحو 30% من تجارة النفط العالمية تمر عبره.

- جزء كبير من الطاقة المتجهة إلى آسيا يمر من خلاله.

- هو أحد أعمدة النظام البحري الذي أسس الهيمنة الغربية منذ القرن التاسع عشر.

ويستند هنا إلى المقولة الجيوسياسية البريطانية الشهيرة:"من يحكم البحار يحكم العالم."

فمنذ صعود الإمبراطوريات البحرية في العصر الحديث، شكّلت السيطرة على البحار والمضائق الركيزة الأساسية للقوة العالمية. فالإمبراطورية البريطانية بنت نفوذها عبر شبكة من القواعد البحرية التي سمحت لها بالتحكم في طرق التجارة العالمية، وهو ما مكّنها من إدارة اقتصاد عالمي مترابط يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار كان مضيق هرمز أحد أهم المفاصل الجغرافية التي سمحت للقوى الغربية بالسيطرة على تدفقات الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية. ومع تطور الاقتصاد الصناعي وازدياد الاعتماد على النفط، أصبح المضيق نقطة ارتكاز في منظومة الهيمنة العالمية التي تشكلت خلال القرن العشرين.

اليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية واحتدام الصراع على الطاقة، يعود هذا المضيق إلى الواجهة باعتباره مركز الثقل الجيوسياسي للحرب الجارية. فالتحكم أو التأثير في حركة الملاحة عبره يمنح صاحبه قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد العالمي، من أسعار الطاقة إلى حركة التجارة البحرية.

*ثانياً: تراجع الهيمنة البحرية الغربية- المضيق بيد أمينة*

يطرح عوض فكرة مركزية مفادها أن الحرب الحالية كشفت تراجع السيطرة الأنغلوساكسونية على المضائق البحرية. ويشير أن السيطرة على المضيق حدث استثنائي لا سابق لها في التاريخ الحديث.

ويشير إلى أن المشروع الغربي الذي كان يقوم على ثلاثة أهداف:

- إسقاط النظام الإيراني.

- ضمان السيطرة الأمريكية على خطوط الطاقة.

- فرض نظام إقليمي تقوده إسرائيل.

لكن وفق قراءته، ما حدث هو العكس حيث فشل إسقاط إيران وأثبتت الوقائع صعوبة التدخل العسكري في المضيق.

خلال العقود الماضية اعتمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها على التفوق البحري لضمان السيطرة على طرق التجارة العالمية. لكن التحولات العسكرية والتكنولوجية، وخاصة انتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، بدأت تقوض هذا التفوق التقليدي.

هذا التحول جعل المضائق البحرية، التي كانت في السابق مناطق سيطرة شبه مطلقة للقوى البحرية الكبرى، تتحول إلى منطقة تحول يسيطر عليها ولأول مرة قوة إقليمية تفرض معادلات ردع جديدة وتعيد توازن الردع وعنوان السيطرة والسيادة للدول التي تطل على المضيق. ومع تزايد قدرات بعض الدول في مجال الصواريخ المضادة للسفن والحرب غير المتكافئة، خاصة أن هذه الحرب أثبتت أن حاملات الطائرات والقواعد البحرية عرضة لمخاطر لم تكن موجودة في الماضي.

في هذا السياق، فإن التوترات حول مضيق هرمز تعكس تحولاً أعمق يتمثل في تراجع القدرة الغربية على التحكم المطلق في الجغرافيا البحرية.

*ثالثاً: الجغرافيا الاقتصادية للحرب*

يتوقف عوض عند تصريحات ترمب التي دعا فيها دولاً أخرى إلى حماية الملاحة في المضيق.

ويفسّر ذلك على أنه:

- إشارة إلى عجز أمريكي عن فرض السيطرة المباشرة

- محاولة لنقل عبء المواجهة إلى القوى الآسيوية

ويربط ذلك بتغير ميزان القوى العالمي، خصوصاً مع صعود الصين وهند وروسيا التي أصبحت أكبر المستفيدين من تجارة الطاقة المارة عبر هرمز خاصة مع استراتيجية الإغلاق الذكي لمضيق هرمز.

ويقدم عوض قراءة اقتصادية للصراع، ويرى أن الحرب ليست عسكرية فقط بل معركة على منظومة المال العالمية.

ويشير إلى ثلاثة أمثلة:

1. *الخليج كمركز مالي عالمي*

يتحدث عن دور مدن مثل دبي وقطر كمراكز مالية استقطبت رؤوس الأموال العالمية.

لكن بحسب رؤيته فإن الحرب ستؤدي إلى هروب الرساميل و

انهيار الوظائف المالية لهذه المراكز.

2 *. تجارة الطاقة*

يرى أن السيطرة على المضيق تعني إعادة تشكيل تجارة النفط وطرق النقل البحري والضغط على شركات التأمين

وهذا يؤدي إلى تحول مركز التجارة البحرية نحو آسيا.

3. *الاقتصاد السياسي للحرب*

يعتبر عوض أن الولايات المتحدة حاولت تمويل استراتيجيتها الإقليمية عبر

صفقات السلاح والاستثمارات الخليجية إضافة إلى تحالفات التطبيع لكن الحرب اليوم تقوّض هذا النموذج.

*رابعاً: الميدان العسكري وتكتيكات الاستنزاف- لبنان صدمة الحسابات*

يخصص عوض جزءاً مهماً من الحلقة للجبهة اللبنانية.

ويشير إلى عدة معطيات:

- تنفيذ عشرات العمليات العسكرية يومياً. ويشير إلى تقرير نشرته المواقع المختصة الغربية عن صدمة 45 عملية نفذتها المقاومة استمرت لست ساعات ما أرهق الدفاعات الجوية واستنزفها وشكل رعب للمستوطنين والقيادة العسكرية الإسرائيلية.

- استمرار قدرة المقاومة على إطلاق الصواريخ.

- فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة وفي تقديرات الاستخبارات عن تراجع قوة الحزب.

ويرى أن ما يحدث يشبه ما جرى بعد طوفان الأقصى العجائبية بل هو نتيجة لإنجاز غزة حين انهارت صورة التفوق العسكري الإسرائيلي.

في موازاة الصراع الجيوسياسي، تشهد المنطقة مواجهات عسكرية تعتمد إلى حد كبير على حروب الاستنزاف والحرب غير المتكافئة. ففي الجبهة الشمالية لإسرائيل داخل لبنان، تظهر العمليات العسكرية المتواصلة قدرة الفاعلين غير الدولتيين على فرض معادلات ميدانية معقدة، رغم التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي.

هذه المعادلة ليست جديدة في تاريخ الحروب، لكنها تعكس حقيقة استراتيجية مفادها أن القوة العسكرية التقليدية لم تعد كافية لتحقيق الحسم السريع، خصوصاً في البيئات الجغرافية والسياسية المعقدة.

*خامساً: عناصر القوة في محور المقاومة*

يلخص عوض أسباب رؤيته المتفاءلة ببراغماتية واقعية وبما تشير إليه معطيات الواقع بثلاثة عناصر:

1. *العمق الجغرافي*

المحور يمتد عبر عدة دول في المنطقة وتقاتل الجبهات في عمقها الجغرافي.

2. *الحرب غير المتكافئة*

الاعتماد على الصواريخ و

الطائرات المسيرة يجعلها حرب استنزاف لا يمكن للأمريكي والإسرائيلي الانتصار فيها.

3. *الإرادة العقائدية*

وهي – بحسب طرحه – عنصر حاسم في الحروب الطويلة خاصة مع وجود حشد ولائي يقاتل بالعقيدة وينتصر بها.

*سادسًا: حرب يوم القيامة... حرب ولادة عالم جديد*

تُظهر التطورات الجارية أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها الأحادية القطبية التي تشكلت بعد الحرب الباردة. فصعود قوى اقتصادية وعسكرية جديدة، إلى جانب التغيرات في طبيعة الحرب والتكنولوجيا، يفتح المجال أمام نظام دولي أكثر تعددية .ويشبهه بلحظات تاريخية كبرى مثل نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الاتحاد السوفيتي.

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى بوصفها نهاية دورة زمنية والدخول لعصر حضاري جديد وولادة عالم جديد، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية ويعاد رسم خرائط النفوذ وهنا يستشرف عوض مستقبل النهضة والسيادة على الثروات لدول المنطقة مع أفول هيمنة عالم التوحش والنهب التي سيطرت على المنطقة لعقود.

*خاتمة:*

إن الحروب الكبرى لا تُقاس بنتائج المعارك اليومية فقط، بل بالتحولات العميقة التي تُحدثها في موازين القوة والتاريخ. وما يجري اليوم سيكون أحد تلك المنعطفات التي تعيد رسم خريطة العالم. فالمعركة حول المضائق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ليست مجرد صراع على ممر مائي، بل هي صراع على مفاتيح الاقتصاد العالمي وموازين القوة في القرن الحادي والعشرين.

قد تطول الحرب أو تتغير مساراتها، وقد تتبدل التحالفات والتكتيكات، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية تتشكل فيها معادلات جديدة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح فهم الجغرافيا السياسية والاقتصادية للحرب شرطاً أساسياً لفهم المستقبل.

فإذا كان القرن العشرون قد شهد صعود الهيمنة البحرية الغربية، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد بداية مرحلة مختلفة، تتراجع فيها القدرة على التحكم الأحادي في طرق التجارة والطاقة، وتبرز فيها قوى جديدة تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ العالمي وبصورة عادلة.

وفي هذا المعنى، قد لا يكون مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل رمزاً لتحول تاريخي أكبر، حيث تتغير قواعد اللعبة الدولية وتدخل البشرية مرحلة جديدة من التوازنات والصراعات التي ستحدد شكل العالم لعقود قادمة.

بتاريخ: 16.03.2026

لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط

https://www.youtube.com/live/IrZ2u4cFCyg