د . مهدي مبارك عبدالله
في ليلة الاثنين الماضي 16 مارس 2026 نفذت إسرائيل عملية استخباراتية دقيقة استهدفت الدكتور علي لاريجاني مستشار المرشد الأعلى الإيراني وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الذي كان من أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في رسم الاستراتيجيات العسكرية والسياسية للنظام الإيراني كما شكل المحور الرئيسي في التنسيق بين الحرس الثوري وقوات الباسيج والقيادات الأمنية والسياسية الأخرى والعملية التي استهدفته كشفت عن قدرات استخباراتية متقدمة وأبرزت هشاشة الحماية الأمنية للقادة الإيرانيين سواء داخل البلاد أو خارجها
التخطيط للعملية لم يكن وليدة اللحظة بل استند إلى سنوات طويلة من المراقبة وجمع المعلومات وتحليل الروتين اليومي للقادة الإيرانيين حيث حددت إسرائيل الحلقة الأضعف في منظومة الحماية وهي الحراسة الشخصية للأهداف وهو ما سمح لها بتحديد موقع كل قائد بدقة فائقة من خلال تتبع هواتف الحراس والمحيطين بالقادة وتحليل تحركاتهم اليومية ما سهّل وصول الطائرات الإسرائيلية إلى مواقع الأهداف في الوقت المناسب دون أن يتمكن الحرس الثوري من اكتشاف التهديد أو صد الهجوم
قبل اغتياله بساعات قليلة نفذت إسرائيل ضربات مركزة ضد كبار القادة الإيرانيين من بينهم قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني وعشرة من قياداته فيما أظهرت هذه الضربات قدرة إسرائيل على تحديد تحركات كبار القادة بدقة عالية واختراق الترتيبات الأمنية المعقدة وقد لعبت أجهزة الموساد ووحدة 8200 دوراً محورياً في متابعة كل التفاصيل بما في ذلك الأجهزة المحيطة بالقادة والروتين اليومي لهم وتم استخدام تقنيات الحرب الإلكترونية والتخفي الجوي لضمان عدم كشف الطائرات أثناء تنفيذ الهجوم
اللافت انه قبل ثلاثة أيام من اغتيال لاريجاني نشرت تغريدة مثيرة لديفيد كيز المتحدث السابق باسم نتنياهو أشارت إلى أن الأخير سيكون الهدف التالي مع ذكر صديق مزعوم اسمه هالا باتور كان يسير خلفه مباشرة لتأكيد الاختراق الأمني وإرسال رسالة نفسية للقيادة الإيرانية مفادها أن إسرائيل قادرة على اختراق أي دائرة حماية والوصول إلى أي هدف في أي وقت وهذا ما عزز الشعور بالارتباك والرعب داخل أجهزة الحرس الثوري وقوات الباسيح
عملية التتبع والمراقبة بدأت منذ أكثر من عام عندما شرعت أجهزة الموساد ووحدة 8200 الإسرائيلية في مراقبة الروتين اليومي للاريجاني وتحركاته بين طهران وسوريا بما في ذلك اجتماعاته مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد وعدد من قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق حيث استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لمتابعة الأنماط السلوكية وتحليل البيانات الرقمية وربط المواقع ومواعيد الاجتماعات وهو ما مكّن الاستخبارات الإسرائيلية من بناء صورة دقيقة لكل تحركاته وأي تغييرات في الروتين اليومي لمسيرة حياته
اهم العناصر الاساسية الحاسمة التي سهّلت مهمة الاغتيال كان الاعتماد على ضعف احتياطات الحراسة الشخصية الخاصة حيث كان الحراس يستخدمون الهواتف المحمولة وتبتادل الرسائل والصور بشكل مستمر أثناء التحركات وخلال الاجتماعات ما سمح بتتبع مواقعهم بدقة لحظية وهذه الثغرة البشرية إلى جانب عدم توقع القيادة الإيرانية تنفيذ عملية دقيقة بهذا الشكل جعلت لاريجاني وعناصر حمايته عرضة للاختراق بشكل مواصل على مدار اليوم
تسلسل التحضيرات للعملية بدأ بمراقبة دقيقة لمرافقيه ومواقع الاجتماعات ثم جمع وتحليل المعلومات ونقلها إلى مركز العمليات في تل أبيب واستخدم سلاح الجو الإسرائيلي طائرات مجهزة بأنظمة الحرب الإلكترونية والتخفي الجوي لتجنب اكشفها بينما لعبت خلايا الموساد المنتشرة في طهران دور التغطية الاستخباراتية ألارضية لضمان عدم تسريب أي تفاصيل أو تغيير في المواقع وتحديد الهدف وتتبع التحركات واستغلال الثغرات وصولاً إلى التنفيذ للعملية التي خطط لها بدقة عالية مع مراعاة كل الاحتمالات الطارئة التي قد تعرقلها
التحليل الاستراتيجي المعمق يشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني فشل في حماية قياداته العليا العسكرية والسياسية بشكل متكرر مع استمرار ضعف التنسيق بين الاجهزة الامنية المختلفة والانكشاف البشري والتراخي في إجراءات الحماية التقليدية وهو ما جعل معظم القادة الإيرانيين عرضة لعمليات مفاجئة عكست هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية في عدة عمليات متتالية
أحد الأبعاد الحاسمة للعملية كان دور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي حيث تم تحليل البيانات الضخمة وربطها بالوقائع الميدانية ما سمح بتوقع تحركات لاريجاني بدقة على مدار الساعة وهذه القدرة الرقمية جعلت أي إجراءات حماية تقليدية مثل الحراسة المشددة أو المخابئ غير فعالة كما أكدت أن عصر الجواسيس التقليدي قد انتهى وأن السيطرة الرقمية أصبحت السلاح الفتاك في الصراعات الإقليمية الحالية والمقبلة
اسلوب تنفيذ العملية كشف من جديد عن اتساع الثغرات الإدارية والبشرية في إيران حيث كان القادة والمستشارين يتصرفون وفق روتين يومي غير محمي او متغير بما يكفي لمواجهة التهديدات التقنية الحديثة كما كانت هناك ايضا فجوة كبيرة في التعاون الأمني بين الأجهزة المختلفة وعدم تحديث إجراءات الحماية بما يتوافق مع تهديدات العصر الرقمي ما سهل الطريق للاستخبارات الإسرائيلية للوصول بسهولة للأهداف وهي أبرز نقاط الضعف التي سهلت المهمة
بالمنظور السياسي والاستراتيجي العملية لم تكن مجرد تصفية فردية بل رسالة مزدوجة أولاً أنه لا يوجد قائد ايراني محمي بالكامل مهما بلغت مكانته وثانيًا أن كشف وجود عملاء أو نقاط ضعف داخل الدائرة المقربة من القادة يعكس هشاشة المنظومة واختراقها وعدم اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تفرض على إيران إعادة تقييم كل الإجراءات الأمنية والعملياتية لضمان حماية القادة في المستقبل
الحقيقة ان تنفيذ العملية بهذا الشكل والسرعة أظهرت قدرة إسرائيل على بناء خريطة دقيقة للتهديدات وربطها بالأهداف ما مكنها من التوقيت المثالي لضرب الهدف قبل أي تغيير في الروتين اليومي ومع ضعف التنسيق الداخلي بين الأجهزة الأمنية الإيرانية جعل أي إجراءات حماية تقليدية أقل فعالية كما فتح فجوة استخباراتية استغلتها إسرائيل بالكامل وهذه الضربة لن تؤثر على إيران ميدانيًا فقط بل سوف ترسخ رسالة نفسية قوية بأن النظام لا زال غير قادر على حماية اقادته ما قد يؤثر على اتخاذ القرارات المستقبلية والردود العسكرية والسياسية في الحرب وبعدها
خريطة مسار العملية كانت تشمل تحديد الهدف وتتبع تحركات لاريجاني ومرافقيه في طهران وتحديد مواقع اقامتهم واجتماعاتهم واستغلال الثغرات ومراقبة واختراق الهواتف المحمولة للحراس ومراقبة الروتين اليومي للمستهدفين ومن ثم التنفيذ بإطلاق الضربة الجوية في الوقت المحدد بعد مراقبة دقيقة لكل حركة والتقييم الدقيق لإصابة الهدف وضمان عدم تحركه خارج نطاق الضربة
اغتيال لاريجاني طرح تساؤلات كبيرة حول مدى تأثيره على العمل العسكري والتوجهات السياسية الإيرانية إذ قد يؤدي غياب المهندس الأول للسياسات الأمنية إلى إعادة ترتيب الأولويات واستراتيجية الردود العسكرية وقد تشمل صواريخ قصيرة المدى أو هجمات مسيرة محدودة بدون القدرة على تنفيذ انتقام شامل وقد يفتح المجال لصراعات داخلية على السلطة بين التيارات المختلفة ويضعف القدرة على اتخاذ قرارات متسقة في إدارة الصراعات الإقليمية والعسكرية ما لم يتم ملء الفراغ القيادي بسرعة
الخاتمة : أن اغتيال علي لاريجاني لم يكن مجرد ضربة عسكرية أو عملية استخباراتية ناجحة فقط بل مثل انعكاسًا لقدرة إسرائيل على اختراق أكثر المنظومات الأمنية تعقيدًا في الشرق الأوسط وكشف هشاشة الحماية حول القيادات العليا الإيرانية كما وضع أمام النظام تحديًا استراتيجيًا لمعادلة حماية القادة ومستقبل الرد العسكري والسياسي حيث أصبح واضحًا أن أي قائد مهما بلغت مكانته معرض للخطر إذا لم تعالج الثغرات الأمنية بشكل جذري سيما وأن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي بات يغير قواعد الصراع التقليدي بين إسرائيل وإيران ويضع معايير جديدة للتخطيط الأمني والعسكري في المنطقة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية