بقلم: د. هناء سعادة
مع دخول الأسبوع الثالث من العدوان الأميركي-الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتضح جليًا أن ما سُمّي بـ “عملية الغضب الملحمي” لم يكن سوى تجسيدًا صارخًا للفشل الاستراتيجي والسياسي لإدارة ترامب، وتعثرها الميداني، وتعري مصداقيتها أمام العالم أجمع. فقد اعتمدت الإدارة الأميركية على رهانات مؤسسة على وهم الحسم السريع، وقطع الرأس، وإحداث فراغ داخلي يفضي إلى التحكم بالدولة والشعب، إلا أن الواقع على الأرض كشف هشاشة تلك الرهانات وغياب أي رؤية استراتيجية متكاملة.
أولاً: وهم النصر السريع وحروب الاستنزاف الطويلة
راهنت عقيدة ترامب العسكرية على “سيكولوجية النصر السريع”، حيث أعلن، انطلاقًا من حسابات خاطئة، أن الحرب ستنتهي في غضون أيام قليلة عبر سياسة الصدمة والترويع التي تهدف إلى شل إرادة الخصم وإجباره على الاستسلام، غير أن مجريات الميدان سرعان ما نسفت هذا التصور، إذ تجاوزت الحرب أسبوعها الثاني، مع تصاعد مستمر في العمليات الجوية والبحرية والسيبرانية، ما كشف عن قدرة إيران على الاستيعاب والتكيف مع الهجمات، وتحويل أي ضربات إلى فرص لتعزيز مرونتها الدفاعية.
أثبتت التجربة أن خطط الإدارة الأميركية كانت معتمدة على تقديرات استخباراتية خاطئة، إذ تم تجاهل “المرونة الاستراتيجية” للمنظومة الدفاعية الإيرانية، وقوة الردع السيبراني، وقدرة القوات الإيرانية على التكيف السريع مع أي سيناريو هجومي. كانت النتيجة حرب استنزاف طويلة الأمد، لم تحقّق أي مكاسب سياسية أو عسكرية ملموسة، بل عزّزت الصلابة الداخلية للنظام الإيراني.
ثانياً: مغالطة “قطع الرأس” والصلابة المؤسسية
استندت استراتيجية ترامب ونتنياهو على فرضية أن اغتيال القيادة العليا سيؤدي إلى انهيار هرم السلطة وفوضى داخلية. ورغم تمكن الضربات من استهداف عدد من القادة، إلا أن النظام الإيراني أظهر قدرة فائقة على الترميم الذاتي وصقل بنيته القيادية، مع تفعيل بروتوكولات الخلافة الدستورية سريعًا وانتخاب قيادة جديدة، واستمرار اتخاذ القرارات دون انقطاع.
كشف هذا الإخفاق الاستخباراتي عن هشاشة الرهانات الأمريكية الصهيونية على تفكك النظام، وأثبت أن فرضية “قطع الرأس” ليست سوى سراب سياسي، وأن صلابة الدولة ومتانة الشعب لا يمكن اختزالهما في استهداف القيادات العليا.
ثالثاً: انكشاف القواعد الأمريكية وعجز الردع
كشفت الوقائع الميدانية الطبيعة الوظيفية للقواعد الأمريكية في المنطقة؛ ففي حين روج ترامب لعدم قدرة إيران على الرد، شهدت المنطقة تدميرًا جزئيًا أو تحييدًا فعليًا لمنشآت حيوية ورادارات متطورة في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية. كما أظهر تدمير أنظمة رادار مثل “THAAD” فجوة الردع الأمريكية، حيث تبين أن هذه القواعد تعمل كمنصات حماية للكيان الصهيوني ومنطلق للهجوم، لكنها عاجزة عن حماية الدول المضيفة .
عزز هذا الانكشاف الصورة القائلة بأن الولايات المتحدة لا يمكنها ضمان أمن حلفائها في الخليج، وأنها تستخدمهم كأداة لخدمة المشروع التوسعي الصهيوني الذي يقوده نتنياهو، دون أي التزام حقيقي بحماية أمن المنطقة أو استقرارها.
رابعاً: العدوان على الطاقة والاقتصاد كأداة فاشلة
ركز العدوان الأميركي-الصهيوني على المنشآت الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها حقل بارس للغاز الإيراني، الذي يغطي نحو 70-75% من احتياجات إيران اليومية من الغاز، ويغذي أكثر من 80% من محطات توليد الكهرباء.
كان الهدف من هذا الاستهداف خلق أزمة اقتصادية كبرى وإرهاب المدنيين، لكن العملية فشلت في تحقيق أي مكاسب سياسية أو عسكرية. بل إن الهجوم على البنية التحتية والطاقة كشف عن قصور الإدارة الأميركية في التقدير الاستراتيجي للمخاطر الاقتصادية والسياسية، إذ أن كل ضربة أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وزيادة تكاليف التأمين البحري، واضطراب حركة الملاحة في بحر العرب، مما جعل المواطن الأمريكي وأوروبا وآسيا يدفعون ثمن مغامرات ترامب ونتنياهو.
خامساً: فشل دبلوماسي وانكسار مصداقية واشنطن
لقد أثبتت الأحداث أن المفاوضات السابقة، بما فيها الوساطة العمانية، لم تكن سوى غطاء تضليلي، استخدمته الإدارة الأميركية لتنويم الدفاعات الإيرانية، فيما توجهت لتصعيد العدوان بشكل مفاجئ. أدى هذا السلوك إلى انكسار المصداقية الدبلوماسية الأمريكية دوليًا، وأظهر أن أي دولة لن تجرؤ مستقبلاً على الوثوق بوعود الإدارة الأمريكية التي تستخدم الدبلوماسية كغطاء للهجوم العسكري.
داخليًا، يواجه ترامب أزمة دستورية حادة ذات أبعاد سياسية داخلية لشنه الحرب دون تفويض من الكونغرس، مما يعكس ضعف المصداقية على الصعيد الداخلي، ويؤكد أن القرار السياسي الأميركي غير متماسك ويعتمد على الرغبات الفردية وليس على استراتيجية متكاملة.
سادساً: العدوان الصهيوني والفشل المستمر
لم يكن العدوان الأميركي مجرد صراع مع نظام إيراني، بل عدوان على الدولة والشعب والمنشآت الاقتصادية والسياسية. استخدم ترامب ونتنياهو القوة العسكرية كغطاء لمشروع صهيوني توسعي، آملين في تعطيل الدولة الإيرانية وإرهاب الشعب، لكن كل الإجراءات كشفت فشل الإدارة الأميركية على كافة الأصعدة: فشل في إسقاط النظام، وفشل في استدراج قوى تخريبية، وفشل في فتح مضيق هرمز بالقوة، وفشل في تعطيل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، وفشل في توريط أوروبا والخليج في حرب مفتوحة.
وفي المحصلة، لم ينجح هذا العدوان إلا في تعرية محدودية القوة حين تُفصل عن الحكمة، وإثبات أن إرادة الدول المتماسكة تبقى العامل الحاسم الذي يعيد رسم موازين القوة مهما بلغت شدة الضغوط الممارسة عليها.